بوابة فيتو : الرأسمالية التقدمية لتحقيق التنمية المستدامة.. جوزيف ستيجليتز (طباعة)
الرأسمالية التقدمية لتحقيق التنمية المستدامة.. جوزيف ستيجليتز
آخر تحديث: الأحد 04/08/2019 12:26 م
م / ايهاب زكريا م / ايهاب زكريا
نشرت مجلة الايكومينست البريطانية - يوليو ٢٠١٩ حوارا لعالم الاقتصاد "جوزيف ستيجليتز" الحاصل على جائزة نوبل حول المنهج الرأسمالي في نطاق العولمة، وما يدور في الاقتصاد الأمريكي ثم العالمي، فقال إنه منذ عهد ريجان توفر انعدام المساواة وبطء النمو وخفض ضرائب الشركات بما سبب تضخم أرباحها مع تدهور أوضاع المواطنين، ولذا دعا "ستيجليتز" إلى منهج الرأسمالية التقدمية كحل لمواجهة سياسات "النيو ليبرال".

وتتحقق الرأسمالية التقدمية من خلال أربعة مسارات:
أولا: تحقيق التوازن بين الأسواق والدولة والمجتمع، حيث إن تباطؤ النمو الاقتصادي وعدم الاستقرار المالي والفروق الطبقية والتدهور البيئي هي في الأساس مشكلات اقتصادية، ويجب على الحكومات التحكم في الأسواق والسيطرة عليها من خلال القوانين واللوائح.

ثانيا: ثروة الأمم تتحقق من خلال التقدم العلمي والتنظيم الاجتماعي الذي ينظم الطاقة المجتمعية نحو الصالح العام، ولن تعمل الأسواق على تحقيق هذا الهدف ما لم تكن تخضع بقوانين صارمة حتى لا يكون متاحا أن يتحقق الثروات من خلال استغلال المواطن، لأن مصدر الثروة يجب أن يكون الإبداع الحقيقي الذي هو سر الحضارات البشرية.

ثالثا: إن قوة السوق المركزة في الشركات الكبرى من خلال مزايا المعلومات وشراء المنافسين المحتملين والاحتكار، وتحقق الشركات العملاقة أرباحا ضخمة على حساب فرصة المواطن البسيط ليسبب اتساع التفاوت الاقتصادي، وتزيد الأزمة مع الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي.

رابعا: يلزم القضاء على النفوذ السياسي النابع من القوة الاقتصادية، حيث إن السلطة والمال علاقتهم تاريخية، وهي قضية أخلاقية، وتزدهر هذه العلاقة في فترات الانتخابات ويظهر المشهد في انتخابات الولايات المتحدة لتنحرف الديمقراطية عن أهدافها من خدمة المجتمع نحو قوة المال.

في كتاب "عقيدة الصدمة" ألقت الصحفية الكندية "نعومي كلاين" الضوء على كيفية صناعة الأزمات وتحويلها إلى فرص استثمارية، فقالت إن تحقيق فرصة استثمارية لاقتصاديات الدول الكبرى وشركائها الشركات متعددة الجنسيات من خلال ما سمته رأسمالية الكوارث.

أن سياسات "النيو ليبرال" التي أضحت تحكم اقتصاد العالم والتي صاغتها مدرسة شيكاغو -ميلتون فريدمان- وضعت ملامحها منذ ٥٠ عاما وانتشر خبراؤها في دول العالم، تحت مسمى الخبراء والاستشاريين، تتلخص أساليبها في الخصخصة وانفتاح السوق الحرة وخفض برامج التكافل الاجتماعي، وهي سياسات لها آثار عنيفة على اقتصاديات الدول النامية، وتعتمد على تمرير هذه القوانين في ظل الاضطرابات السياسية والكوارث لاستغلال أصول هذه الدول ومواردها بأقل سعر..

وهناك أمثلة مثل انقلاب "بيونشيه" في تشيلي ١٩٧٣، حرب فوكلاند ١٩٨٢، مذبحة ميدان السلام السماوي ١٩٨٩، انهيار الاتحاد السوفيتي ١٩٩١، الأزمة الآسيوية ١٩٩٧، إعصار ميتش ١٩٩٨، حرب العراق ٢٠٠٣، تسونامي ٢٠٠٤، إعصار كاترينا ٢٠٠٥ وبالطبع فبعد صدور الكتاب هناك الربيع العربي بكل أزماته.

إن هدف مبدأ الصدمة هو سيطرة سياسات "النيو ليبرال" على اقتصاديات العالم، وقد ربطت الكاتبة بطريقة مفزعة اُسلوب الصدمة النفسية علميا على الفرد بالصدمة السياسية والاقتصادية على المجتمع بأسره، وقد ربطت ببرامج تجارب سرية مولتها المخابرات الأمريكية في الخمسينات للصدمة الكهربائية والحرمان الحسي وأثرها، وطبقت في التعذيب والاستجوابات لكسر الإرادة النفسية حتى أن العلاج النفسي بالصدمات الكهربائية يهدف لكسر إرادة المريض لإعادة برمجته..

وهو ما ترى الكاتبة أنه جرى استخدامه بصورة أوسع ضد الشعوب، وقد أجرت حوارا مع بعض الضحايا الذين خضعوا لبرنامج المخابرات الأمريكية على يد العالم "ايوين كاميرون"، وقد طرحت تعبير الاقتصادي "اورلاندو لتيليه" عن الانسجام الداخلي بين الإرهاب السياسي لـ"بيونشيه" وسيطرة فلسفة "النيو ليبرال"، واعتبر "ميلتون فريدمان" مسئول عما تم في تشيلي، وقد قامت مخابرات بيونشيه بإغتيال لـ"تييليه" ١٩٧٦.

في واحدة من أهم مقالاته عبر "فريدمان" عن فلسفة الصدمة عندما كتب (الأزمات فقط حقيقية أو متصورة تنتج تغييرا حقيقيا)، لذا ينصح بالتحرك سريعا بآليات السوق الحرة فور وقوع الكارثة لتحقيق الأهداف، ويتضح من النصائح التي وجهها لـ"بيونشيه" عقب الانقلاب في تشيلي الذي كان بمثابة صدمة، وكانت السياسات الاقتصادية هي خفض الضرائب وتحرير الأسواق والخصخصة وسُميت محليا بالعلاج بالصدمة.

أن منهج الرأسمالية التقدمية أصبح حلا حتميا مع تعقد احداثيات الاقتصاد العالمي، ونحو تقويم الرأسمالية، حتى لا يتعرض الاقتصاد العالمي لأزمة مرتقبة ناتجة عن فقدان التوازن واتساع الفجوة وسياسات صناعة الأزمة.