بوابة فيتو : حكاية مارتن لينجز «الراهب في محراب الحق».. اعتنق الإسلام بعد لقائه بالعديد من المتصوفين.. أخذ العهد على الطريقة الشاذلية من الشيخ عبد الواحد يحيى.. ويكشف رحلة البحث عن اليقين (طباعة)
حكاية مارتن لينجز «الراهب في محراب الحق».. اعتنق الإسلام بعد لقائه بالعديد من المتصوفين.. أخذ العهد على الطريقة الشاذلية من الشيخ عبد الواحد يحيى.. ويكشف رحلة البحث عن اليقين
آخر تحديث: السبت 19/05/2018 06:14 ص حنان عبد الهادى
حكاية مارتن لينجز
كان مارتن لينجر، المعروف بالشيخ أبو بكر سراج الدين، أحد أعلام الصوفية، الذي أخذ العهد الصوفى على الطريقة الشاذلية من أستاذه الشيخ عبد الواحد يحيى أو الفرنسى المتصوف رينيه جينو، قد اعتنق الإسلام بعد لقائه بالعديد من المتصوفين المصريين التابعين للطريقة الشاذلية.

“التصوف مركزى وسامٍ وعميقٌ وسريٌّ، هو لا ينحنى أمام الآراء، ويتطلب كل ما في الوسع، وقوى وخطير ومنعزل وضروري.. وهذه الوجهة الأخيرة لها علاقة بما يشمله”، هكذا قال مارتن لينجز عن التصوف في كتابه المترجم “ما هو التصوف؟”.

الذكاء المبكر
“وُلد الطفل مارتن لينجز عام 1909 في لانكشير ببريطانيا،‏ من والدين أحباه كثيرًا،‏ ورأيا فيه النباهة‏،، بل الولاية من الصغر‏، فلم يعترضا عليه في شيء طوال حياته حتى مَنَّ الله عليه بالإسلام‏”، مقال الدكتور على جمعة “رحيل الشيخ أبى بكر سراج الدين” في جريدة الأهرام. ‏

أمضى مارتن طفولته المبكرة في أمريكا، حيث كان يعمل والده‏، وعندما عاد إلى بريطانيا التحق بكليته ‏”كليفتون”، و‏ظهرت عليه مواهب القيادة‏، ثم انتقل إلى ‏”أكسفورد”‏ لدراسة اللغة الإنجليزية.

كانت روح مارتن لينجز تواقة لمعرفة الحق، وشاركه هذه الروح اثنان من أصدقائه؛ “باترسن”، أسلم بعد ذلك وأطلق على نفسه اسم الشيخ حسين، ودفن في القاهرة بمقابر المماليك، أما صديقه الثانى فكان بريطانيًّا أسلم وتسمى بالشيخ داود.

البحث عن الحقيقة
وفى طريق بحثه عن الحقيقة قرر لينجز السفر للهند لاعتناق الهندوسية، وفى أثناء سفره مر بالقاهرة سنة ‏1940،‏ التقى بالصوفى العارف بالله الشيخ عبد الواحد يحيى، الفرنسى “رينيه جينو”، فوجد لينجز ضالته، وأسلم على يد الشيخ عيسى نور الدين الذي كان سويسريًّا، وأسلم على يد ولى الله أحمد العلوى المستغانمى الجزائري، وطريقته قائمة إلى الآن في مستغانم بالجزائر‏، وكتبه مطبوعة منتشرة‏.

كان لينجز مع صديقه باترسن، الذي كان يعمل في جامعة القاهرة، لكنه توفى في حادث فروسية‏، الأمر الذي دفع لينجز للعمل بدلًا من صديقه في جامعة القاهرة، وكان يُدرس الأدب الإنجليزي‏.

سكن مارتن لينجز بجوار الهرم، في قرية نزلة السمان، وتزوج عام 1944 من ليزلى سمولي، أسلمت أيضا وأسمت نفسها ‏”رابعة”، وظل لينجز بالقاهرة حتى عام ‏1952،‏ وكان يحيك جلبابه، الذي حرص على ارتدائه دائمًا، عند الحاج عاشور في مدخل خان الخليلي.

ثورة يوليو
كان لينجز يرغب في البقاء بمصر، لكن تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن، فقد وقعت مظاهرة معادية للبريطانيين‏ عقب ثورة 1952، وقتل فيها ثلاثة من زملائه في الجامعة،‏ وسُرح الأساتذة الإنجليز من الجامعة‏، فعاد الشيخ أبو بكر سراج إلى لندن.

عند عودته وتقدمه لنيل الدكتوراه نشر له كتاب “اليقين.. عن المذهب الصوفى في الإيمان والكشف والعرفان”، كتبه في مصر، وكان عليه أن يحصل على ليسانس في اللغة العربية، ثم حصل على الدكتوراه عن “الشيخ أحمد العلوي‏”، ونشرت بعنوان “ولى صوفى من القرن العشرين‏”‏، و”كان من أعمق كتبه أثرا بوصفه منظورا فريدا للروحانية الإسلامية من داخلها”.

الاهتمام بالإسلام
يقول الشيخ أبو بكر سراج، في كتاب “رجال ونساء أسلموا”: “إن ما أثر عليَّ وجعلنى اهتم بالإسلام، هو كتب مؤلِّف كبير اعتنق الإسلام وأصبح من قمم المتصوفة.. إنه الشيخ عبد الواحد يحيى، لقد تأثرت بكتبه التي صنفها عن الإسلام، حتى إننى لم اقرأ كتبًا من قبل في مثل عظمة كتبه، مما دفعنى لأن أسعى لمقابلة مَن كان سببًا في إسلامي، فجئت إلى مصر حيث كان يعيش فيها وقتئذ.. لقد استفدت منه كثيرًا، فقد كان بحق عالمًا عاملًا بعلمه، وأكثر ما تعلمته منه الزهد في الدنيا، وهو ما تسمونه أنتم التصوف”، حسبما أضاف مارتن لينجز.

يرى مارتن لينجز في كتابه “ما هو التصوف” أن التصوف له الحق في ألا ينحنى أمام الآراء، لأنه مؤسس على محققات، وليس على آراء، وأن عليه التزاما ألا ينحنى أمام الآراء؛ لأن الروحانية هي مستودع الحق بأكمل معنى، كونه معنيا قبل كل شيء بالمطلق واللامتناهى والأبدي”، مؤكدًا “بدون الروحانية، لن يكون هناك صوت للحقيقة في العالم، لن يكون هناك سجل لتدرج المراتب الحقيقى ولا شاهد على انتهاكها باستمرار”.

أما التصوف عند الشيخ أبو بكر سراج فهو “الإسلام الروحاني، ويعنى أنه التيار الرئيسى والأقوى لهذه الموجة العارمة التي تكون الوحى الإسلامي”.

وتبعا للفكر الصوفى يرى لينجز “الكمال هو تجميع الصفات المميزة للجلال والجمال، والتصوف، كما عبر عنه كثير من المتصوفين، وتجريد النفس من الأشياء التي تحدد الإنسان المطرود من الجنة، أي من العادات والأهواء التي أصبحت طبيعة ثانية، ومنحها مميزات طبيعة الإنسان الأزلية، المخلوق على صورة الله، وبالتالى فإن الشعيرة الدينية للتلقين إلى بعض الدرجات الصوفية تأخذ فعليا شكل كساء، يضع الشيخ فوق أكتاف الملقن”.

“يتخذ الشخص في مرحلة الإعداد طريقة حياة المحراب، لأن جزءًا من أسلوب كل الطرق الروحانية، وليس منهم أكثر من التصوف الإسلامي”، هو “توقع النهاية”، حسبما وصف لينجز التصوف، مشيرًا إلى أن “المجرّب يكمل طريقة الحياة التي اتخذها في مرحلة الإعداد، الفرق بين الإثنين هو أنه في حالة المجرب، الطريق، أي التصوف، أصبح في جملته تلقائيا، لأن القدسية انتصرت على الطبيعة الثانية”.

وفى كتابه “ما هو التصوف” يقول لينجز “التصوف قوى لأنه لا يقل عن الوسيلة الإلهية للانتصار الغامر للمطلق، والمثل الأعلى للمنهج الصوفى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله، ولكن تلك القوى الفعالة تتطلب امتثال قوى سلبية في نفس أي شخص يقوم بتفعيلها، وبعبارة أخرى تتطلب صبرا وصمودا يطيل عملها بما يكفى ليصبح نافذ المفعول في مجال خاضع للزمن”.

المصادر:
كتاب “ما هو التصوف؟” لمارتن لينجز.. ترجمة توفيق محفوظ وأشرف شنودة.
“ كتاب رجال ونساء أسلموا”، تأليف الدكتور عرفات كامل.
مقال الدكتور على جمعة “رحيل الشيخ أبى بكر سراج الدين” في جريدة الأهرام 11 يونيو 2005.