وصايا الدكتور مهاب مجاهد!
تكريم أوائل الثانوية العامة لم يكن يومًا مجرد احتفال رمزي أو بروتوكولي عابر، بل هو حدث يُعيد التذكير بأهم استثمار يمكن أن تُقدِم عليه أي دولة في سعيها نحو النهضة: الاستثمار في العقول.
فالأوطان لا تنهض بالموارد وحدها، بل تنهض حين تُحسن صناعة الإنسان، وتفتح الطريق أمام نوابغها ليكونوا طاقة دفع لا تنضب نحو المستقبل.
في هذا السياق، جاء حديث الدكتور مهاب مجاهد، استشاري الطب النفسي، خلال حفل تكريم أوائل الجمهورية الذي نظمته الجبهة الوطنية، ليضع روشتة نجاح حقيقية للنابغين، مستخلصة من تجربة العمر، وموجهة خصوصًا لأولئك الذين ينتقلون من عتبة المدرسة إلى رحاب الجامعة؛ حيث لا يصلح للمرحلة الجديدة ما صلح في السابقة.
أربع وصايا قدمها الدكتور مجاهد تصلح أن تكون خريطة طريق:
الأولى: أن يكون العلم غاية لا وسيلة، فلا تركض وراء الدرجات بل وراء المعرفة نفسها؛ فالتفوق نتيجة لا هدف، والعقل لا يقوى إلا بالتعلم المتواصل.
الثانية: أن النجاح الحقيقي يسبق المال والشهرة، فهما ثمار تُقطف تلقائيًا حين تترسخ الجذور بالعلم والاجتهاد والصبر، لا بطرق مختصرة أو قفزات وهمية.
الثالثة: أن تظل قيم البر والوفاء للوالدين ركنًا أصيلًا في معادلة التفوق، فنجاح الأبناء هو الحلم الأكبر الذي سهر من أجله الأهل وضحّوا.
الرابعة: أن يتنبه الشباب إلى أعداء الداخل قبل الخارج؛ فالتبخيس والتدليس وتدمير الأمل أدوات خفية لهدم الأمم من داخلها، وإذا انتُزع الأمل من القلوب خبت كل طاقة للبناء.
هذه الوصايا ليست مجرد نصائح، بل دروس قابلة للتطبيق العملي. ولعل أبرز ما يُعزز صدقها أننا نرى تجارب عالمية قامت على استثمار العقول لا غير. فسنغافورة، التي كانت قبل عقود مجرد ميناء فقير محدود الموارد، تحولت إلى واحدة من أقوى اقتصادات آسيا عبر الاستثمار في التعليم والابتكار.
وكوريا الجنوبية التي خرجت من أتون الحرب والفقر المدقع، لم تجد طريقًا للتقدم إلا بتأهيل العقول وتحرير طاقات الشباب، حتى صارت اليوم نموذجًا في التكنولوجيا والصناعات المتقدمة.
إن ما يُمكن لمصر أن تحققه لا يقل شأنًا، حين تُمنَح العقول الواعدة فرصتها، ويُصان الأمل من محاولات التبخيس، ويُحمى العلم من أن يتحول إلى درجات صماء أو شهادات ورقية بلا روح. تكريم الأوائل إذن ليس غاية بحد ذاته، بل رسالة إلى المجتمع بأسره: أن استثمارنا الحقيقي ليس في مبانٍ تُشيَّد ولا طرق تُرصف، بل في إنسان يتعلم، في عقل يتوهج، وفي أمل يُزرع في قلوب جيل كامل.
فمن هنا يبدأ الفارق بين أمة تسير إلى النهضة بخطى ثابتة، وأخرى تُضيّع بوصلة المستقبل في زحام اللحظة. وما أكثر ما تاهت أمتنا في زحام الأولويات!
