رئيس التحرير
عصام كامل

قصر الكلام

18 حجم الخط

لم يكن يعرف متى بدأ يفقد ثقته في الكلام، ليس لأن الكلمات خانته، بل لأنها صارت أسرع مما يحتمل، كل جملة تُقال كانت تصل إليه منقوصة، وكل تفسير يأتي متأخرًا، كأن اللغة نفسها تلهث خلف ما يحدث في داخله ولا تلحق به أبدًا.

 

كان يعمل في مكان لا يتطلب منه الحديث كثيرًا، وهذا ما أنقذه.. يجلس لساعات، يراقب التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه لها أحد. طريقة وضع الأشياء على الطاولة، التغير البسيط في الإضاءة، الصوت الخافت الذي يحدثه الاحتكاك غير المقصود. لم يكن يفسر هذه الأشياء، ولم يحاول أن يمنحها معنى واضحًا، لكنه كان يشعر أنها تراه، وتعرفه أكثر مما يعرف نفسه.

 

حين يعود إلى غرفته، لا يبدأ يومه من جديد، بل يكمله. يخلع معطفه ببطء، لا لأن الطقس بارد، بل لأنه يحتاج إلى هذا الإيقاع الهادئ ليشعر أن جسده ما زال تابعًا له. يضع المفاتيح في نفس المكان، لا بدقة، بل بحذر، كأنه يخشى أن يوقظ شيئًا نائمًا في داخله.

 

كان يظن في البداية أن المشكلة في الذاكرة، وأن النسيان يتسلل إليه من حيث لا يشعر. لكن مع الوقت، اكتشف أن العكس هو الصحيح، كل شيء بقي، كاملًا، دقيقًا، بلا تشويش. ما تغيّر فقط هو طريقته في حمله. لم يعد يسترجع الأحداث كصور، بل كإحساس جسدي كثقل في الصدر، شدّ خفيف في الكتف، ضيق لا يُسمّى.

 

في إحدى المرات، حاول أن يكتب. لم ينوِ أن يحكي قصة، ولا أن يفسر نفسه، فقط أن يفرغ شيئًا ما. جلس طويلًا أمام الورقة، ثم أدرك أن ما بداخله لا يصلح لأن يُكتب. ليس لأنه غامض، بل لأنه واضح أكثر مما ينبغي. الوضوح أحيانًا يكون عبئًا لا يُحتمل.

 

مع الأيام، بدأ يفهم أن حياته لا تتحرك إلى الأمام بالطريقة التي اعتادها الآخرون. لم تكن هناك قفزات، ولا تحولات حادة، بل تراكم بطيء، صامت، يشبه تراكم الغبار على الأشياء التي لا تُستخدم كثيرًا، لكنه لا يختفي أبدًا.

 

كان يعرف، دون أن يقرر، أن ما يُشكّله حقًا ليس ما حدث، بل ما لم يُستكمل. الأسئلة التي لم تُطرح، الردود التي لم تُطلب، اللحظات التي مرّت دون تعليق. هذه الفراغات الصغيرة، غير المرئية، هي التي بنت داخله هذا الاتساع الغريب، هذا الثقل الهادئ.

وفي لحظة عادية، بلا تمهيد، فهم أخيرًا: أنه لم يكن صامتًا لأنه خائف، ولا لأنه عاجز، بل لأنه كان ينمو في مكان لا تصله الضوضاء.

منذ ذلك اليوم، لم يحاول أن يشرح نفسه. صار يكتفي بأن يكون حاضرًا، بكامله، حتى في أكثر اللحظات بساطة. كان يعرف أن من يتأنّى هكذا، لا يضيع، بل يصل.. بطريق لا يراه إلا من سلكه.

ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار الـ 24 ساعة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري لـ أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية.

تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــــــنا

تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هــــــــــــنا

تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هــــــــــنا

تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هــــــــنا

الجريدة الرسمية