كثيرًا ما نرى العالم من حولنا يرفع صوته عاليًا، فنظن أن الكلمة الأخيرة تُقال على ألسنة البشر. قد يقرّر مدير مصير عمل، أو ينطق طبيب بتشخيص خطير، فيرتجف القلب كأن المصير قد تحدّد نهائيًا..
هو مصدر معرفتي الأولى، والمرجع الذي أعود إليه في كل موقف صعب. ما تعلمته منه لم يكن مجرد مهارات، بل رؤية للحياة. منه عرفت أن الحب ليس كلمة، بل أسلوب حياة..
من الطبيعي أن نتألم على ما فات، لكن ليس من الطبيعي أن نترك الماضي يسرق مستقبلنا. الإيمان الحيّ يدعونا أن نرفع عيوننا لنرى أن الرب يعدّ لنا دائمًا بداية جديدة..
قد نظن أن الضيقة هي نهاية الطريق، أو علامة على أن الله قد ابتعد عنا. لكن الحقيقة الروحية التي تعلّمنا إياها الكنيسة والكتاب المقدس هي أن كل ضيقة تحمل في أعماقها بركة مخفية..
يشوع كان يقف على حافة تغيير ضخم. موسى، النبي والقائد الذي تبعه سنين طويلة، قد مات. ومسؤولية قيادة الشعب بأكمله أصبحت على كتفيه. لم يكن يشوع ضعيفًا، لكنه كان إنسانًا..
كان التلاميذ قبل حلول الروح القدس في خوف، مغلقين الأبواب، مضطربين، لا يعرفون كيف يبدأون الطريق. وكان بطرس، قائدهم، هو أكثر من ذاق مرارة الضعف..
نتحدث عن رجل عرف الله لا بالكلام، بل بالحياة.. رجل اختار الجبل سكنى، واختار الصمت حديثًا، واختار النسك طعامًا.. إنه الأنبا توماس السائح، سراج شنشيف، الذي ما زال نوره مضيئًا حتى اليوم.
العطش الروحي لا يُقاس بكثرة الكلام في الصلاة، بل بحرارة القلب فيها.. ليس مجرد تكرار الطلبات، بل مدى توق النفس إلى حضرة الله.
كم من الناس يملكون ثروات، ويأكلون أفخر الطعام، ويسكنون القصور، لكن أرواحهم مليئة بالصخب، وأجسادهم تئن من وجع لا يعرف له الطب دواء؟
الهروب هنا ليس من الناس، بل من أنفسنا. من وجع لم نعرف كيف نحتويه، من سؤال لا نجرؤ أن نطرحه على الله، من إجابة نعلمها في أعماقنا ولا نحتمل سماعها.
نفتح النافذة، فيمرّ الضوء على وجوهنا ولا يُضيء الداخل.. نُعدّ القهوة، لكنها لا توقظ فينا شيئًا.. نُلقي السلام على من نُحب، لكنّ الكلمات تخرج باهتة، لا حرارة فيها.
نحن نتكلم كثيرًا لأننا نخاف أن لا يُفهَمنا أحد. نخاف أن تُشوّه صورتنا، أن نُظلَم، أن نُساء فَهمنا. فنظل نكرر، ونوضح، ونرفع صوتنا.. ثم نتعب، ونبكي، ونتساءل: لماذا لم يفهمني أحد؟
هناك نوع من الألم لا تصفه الكلمات، حين تُصلّي بكل صدق، ولا يتغيّر الواقع. وحين تتمنى أن ترى يد الله تُحرّك الأبواب، تفتح المغاليق، تُزيل الصخرة من على قبر أحلامك، ولكن السكون يطول.. ويطول.
نصلي.. فنشعر بالطمأنينة، ثم تهبّ علينا ريحٌ لا نعلم من أين أتت، فتُطفئ الشمعة التي أشعلناها بدموعنا، نثق.. ثم تتساقط حولنا الوعود كما تتساقط أوراق الخريف من شجرةٍ عتيقةٍ أنهكها الزمن..
في المدرسة، كان بيقعد دايمًا على دكة جنب الحيطة، مش علشان بيحب العزلة، لكن علشان مش هيضطر يشرح لحد ليه مقلمته فاضية أو ليه بيخبّي سندويتشه القديم في الكيس كأنه جديد..