"من مقاعد الإعدادي إلى صدارة الباحثين"، حكاية كاراس صاحب "المزرعة الذكية"
في الثالثة عشرة من عمره، وجد كاراس بيشوي بدر نور، الطالب بالصف الأول الإعدادي، نفسه في منافسة تضم باحثين وأعضاء هيئة تدريس وطلابا وخريجين من كليات الزراعة ومراكز البحوث على مستوى الجمهورية، بعدما تقدم بفكرة «Smart Farm» ضمن مسابقة الابتكار الزراعي من أجل التنمية المستدامة.
المفاجأة لم تكن في مشاركة طالب صغير السن في المسابقة فقط، وإنما في قدرته على اجتياز مراحل التقييم والوصول إلى الصدارة، وفقا للقائمين على المسابقة، في منافسة لم تكن مخصصة في الأساس لطلاب المرحلة الإعدادية.
وكانت مسابقة الابتكار الزراعي قد شهدت في موسمها الأول مشاركة 180 متسابقا، وصل منهم 70 إلى مرحلة التحكيم العلمي، قبل تأهل 40 متسابقًا إلى التصفيات النهائية والعروض التقديمية.


وبحسب منظمي المسابقة، خضع مشروع كاراس لمراحل التقييم نفسها التي مرت بها المشروعات المشاركة، كما جرى حجب بيانات أصحاب المشروعات عن لجان التحكيم في المراحل التي تسمح بذلك، بهدف التركيز على الفكرة ومحتواها بعيدا عن اسم صاحبها أو عمره أو الجهة التي ينتمي إليها.

فكرة الطالب كاراس
وتقوم فكرة «Smart Farm» على تصميم منظومة للمزرعة الذكية تجمع بين التحكم في الري، وإنتاج الطاقة، وإعادة تدوير المخلفات الزراعية وإنتاج السماد العضوي.
ويعتمد نظام الري المقترح على حساسات توضع في التربة لقياس مستوى الرطوبة، وترسل البيانات إلى وحدة تحكم تعمل على تحديد احتياجات النبات من المياه، بما يسمح بتنظيم عملية الري وفقا لاحتياجات المحصول بدلا من الاعتماد على مواعيد ثابتة للري.
ولا يتوقف المشروع عند توفير المياه، إذ يتضمن الاستفادة من المخلفات النباتية والحيوانية في إنتاج البيوجاز، واستخدام الغاز الناتج في توليد الكهرباء، إلى جانب إنتاج السماد العضوي من المخلفات.
كما تتضمن الفكرة الاستفادة من حركة المياه داخل شبكة الري من خلال توربين صغير لتوليد طاقة كهربائية إضافية، على أن تستخدم الطاقة المنتجة في تشغيل بعض مكونات المزرعة، مثل الحساسات والطلمبات ووحدات التحكم.
ويرى صاحب الفكرة أن الجمع بين هذه الأنظمة يمكن أن يساعد في خفض استهلاك الموارد داخل المزرعة والاستفادة من المخلفات بدلا من التعامل معها باعتبارها عبئا يجب التخلص منه.
وتتضمن مستهدفات المشروع خفض استهلاك المياه بنسبة تتراوح بين 40 و60%، وتقليل استخدام الأسمدة الكيميائية بنحو 50%، وزيادة الإنتاجية بنسبة تتراوح بين 15 و25%.
وتظل هذه النسب مستهدفات أولية للمشروع، وتحتاج إلى تجارب تطبيقية وقياسات ميدانية للتحقق من إمكانية تحقيقها على نطاق واسع، قبل اعتبارها نتائج مثبتة.
البحث عن أصحاب الأفكار المبتكرة
وقال الأستاذ الدكتور علي عبدالعزيز، رئيس مسابقة الابتكار الزراعي من أجل التنمية المستدامة ومؤسس المبادرة الوطنية «دولة الابتكار الزراعي»، إن تجربة كاراس تعكس الهدف الأساسي من المسابقة، وهو البحث عن أصحاب الأفكار المبتكرة وليس فقط أصحاب المشروعات المكتملة.
وأوضح أن اكتشاف الموهبة في سن مبكرة يمنحها فرصة أكبر للتطوير والتدريب والاحتكاك بالباحثين والمتخصصين، بدلا من انتظار وصول صاحبها إلى المرحلة الجامعية حتى تبدأ عملية اكتشاف قدراته.
وأشار إلى أن المسابقة تستهدف ربط الأفكار الزراعية باحتياجات الواقع، سواء في مجال المياه أو الطاقة أو التربة أو المخلفات أو الإنتاج الزراعي، مع العمل على مساعدة أصحاب الأفكار في تطويرها وتحويلها إلى مشروعات قابلة للتطبيق.
وتكتسب تجربة كاراس أهمية خاصة بسبب طبيعة المنافسة التي دخلها، إذ شارك إلى جانب فئات تضم باحثين وأعضاء هيئات بحثية وطلابا وخريجين من كليات الزراعة.
ويقول منظمو المسابقة إن وصول طالب في المرحلة الإعدادية إلى هذه المرحلة يفتح الباب أمام التفكير في توسيع برامج اكتشاف الموهوبين لتشمل طلاب المدارس، وعدم حصر الابتكار الزراعي في الجامعات ومراكز البحوث.
ومن المقرر أن تتجه المسابقة في موسمها المقبل إلى توسيع المشاركة لتشمل طلاب المدارس الزراعية، باعتبارها إحدى البيئات التي يمكن أن تظهر فيها أفكار جديدة مرتبطة بالري والتربة والميكنة والإنتاج الحيواني والتصنيع الزراعي والطاقة والمخلفات.
ولا تقتصر أهمية تجربة «Smart Farm» على الفكرة نفسها، خاصة أنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من التطوير والاختبارات، وإنما تمتد إلى نموذج الطالب الذي تمكن من دخول منافسة علمية واسعة في سن مبكرة.
منظومة التعليم والبحث العلمي
وتطرح قصة كاراس سؤالا أمام منظومة التعليم والبحث العلمي: كم طالبا يمتلك فكرة قابلة للتطوير ولا يجد المساحة المناسبة لعرضها أو الجهات التي تساعده على تحويلها إلى نموذج قابل للاختبار؟
فالمسابقة التي بدأت بـ180 متقدما، وانتهت بوصول 40 مشروعا إلى التصفيات النهائية، لا تقدم فقط أفكارا في الزراعة، وإنما تكشف أيضا عن الحاجة إلى مسار مستمر يبدأ من اكتشاف الموهبة، ثم تدريب صاحب الفكرة وتطويرها واختبارها، وصولا إلى إمكانية تطبيقها والاستفادة منها في القطاع الزراعي.
وفي حالة كاراس، بدأت الحكاية من طالب في الصف الأول الإعدادي يحمل فكرة عن مزرعة تستطيع ترشيد المياه والاستفادة من المخلفات وإنتاج جزء من احتياجاتها من الطاقة، لكنها قد تنتهي، إذا حصل صاحبها على الرعاية العلمية المناسبة، إلى مشروع أكثر نضجا خلال السنوات المقبلة.


