قلب يهرب
في تلك اللحظة التي نُغلق فيها أعيننا ونضمّ أيدينا كمن يُسلّم قلبه، لا أحد يرانا. لا أحد يسمع الصوت الخافت الذي يعلو فقط في حضرة الله. نحن نظن أننا نُصلّي، لكن الحقيقة أننا في كثير من الأحيان نُجيد الهروب ونحن نُصلّي.
الهروب هنا ليس من الناس، بل من أنفسنا. من وجع لم نعرف كيف نحتويه، من سؤال لا نجرؤ أن نطرحه على الله، من إجابة نعلمها في أعماقنا ولا نحتمل سماعها. نُصلي وأعيننا مغمضة، لكن عقولنا مشغولة بما نخشى مواجهته.
نطلب مشيئة الله ونحن نرتجف من احتمال أن تكون غير ما نريد. نقول "لتكن مشيئتك"، وقلوبنا ترتجف كمن يمسك حبلًا مشدودًا على هاوية وفي أي لحظة ربما نسقط فيها دون رجوع.
في إحدى المرّات، سمعت شيخًا في البرية يقول: الصلاة الحقيقية هي أن تدخل على الله بلا أقنعة.. هزّتني الكلمة. كم مرة دخلت على الله بقناع، وأنا أظن أنني أصلي، بينما أنا أهرب منه؟ أهرب من رؤيته لي كما أنا... ضعيفًا، مشتّتًا، مهزومًا.
لكن هل يخيف الله اعترافنا بالضعف؟ أبدًا. هو لا يطلب منّا بطولة، بل صدقًا. لا ينتظر منّا أن نقف أمامه أقوياء، بل أن نأتي كما نحن، منهكين، محمّلين بأثقالنا، ونقول له ببساطة: يا رب، أنا تعبت من الهروب.
كم نطوف! كم نهرب بحجّة الصلاة، بينما أعماقنا تُغلق في وجه النور. لكن الله لا يملّ من انتظارنا. لا ييأس من طرق أبوابنا، ولا يتعب من التربيت على أكتافنا، حين نجلس منهكين عند حافة أرواحنا.
الله ليس مجرد مستمعٍ لصلاةٍ نُرتّلها، بل هو قلبٌ واسع ينتظر أن نحكي له كل ما لا نستطيع أن نقوله لأحد. هو لا يحتاج إلى بلاغتنا، بل إلى حقيقتنا.
ففي نهاية كل صلاة، بعد كل صمت، وكل دمعة لم تُسكب، وكل تنهيدة مكبوتة، يهمس الله: أنا هنا.. لم أذهب بعيدًا، أنت فقط كنت تركض.. قف اليوم، ولا تهرب. تكلم كما أنت. الله لا يخجل من جُرحك، فكيف تخجل أنت منه؟
للمتابعة على الفيس بوك: @PWagih
