عطش الروح
أريد اليوم أن أحدثك عن عطشك إلى الله، لأن العطش هو المقياس الصامت الذي يكشف عن محبة القلب لله، وهو دليل الحياة الداخلية التي تسعى نحو النبع الحقيقي.. كثيرون يظنون أنهم في طريق الله، ولكنهم لا يشعرون بعطش نحوه.. وشتّان بين من يسير في الطريق ومن يشتاق إلى نهايته.
العطش الروحي لا يُقاس بكثرة الكلام في الصلاة، بل بحرارة القلب فيها.. ليس مجرد تكرار الطلبات، بل مدى توق النفس إلى حضرة الله. وهنا نسأل: هل تشعر بالاحتياج إلى الله كما يشعر الجسد بالعطش إلى الماء؟ وهل تشعر بفراغ في داخلك لا يملأه سوى حضوره الإلهي؟
يقول داود النبي: "كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ".. لم يقل: كما يشتاق الإنسان إلى الراحة أو النجاح، بل كما تشتاق الغزالة الظمأى إلى الماء، لأنها تعرف أن حياتها متوقفة عليه..
الروح العطشانة هي روح يقظة، تشعر أنها لا تقدر أن تكمل يومها دون أن تلتقي بالله، ولو في دقائق قليلة.. أما القلب الذي لا يشعر بالحاجة إلى الله، فهو قلب قد تخدرت أحاسيسه، إما بالخطية، أو بالانشغال، أو بالاتكال على الذات..
أحيانًا لا نصلي، لا لأننا مشغولون، بل لأننا لسنا عطاشى! الإنسان الذي يشعر بالعطش، يطلب الماء حتى وهو في الطريق، حتى في وقت الراحة، حتى إن لم يقدَّم له بسهولة، يبحث عنه.. وهنا أقول لك: لا تكتفِ بالصلاة إن لم تشعر بالشوق فيها.. لا تكتفِ بالتراتيل إن لم تذُق لذّتها.. لا تقف في حضرة الله بجسدك فقط، بينما قلبك في أماكن أخرى..
لقد طلب المسيح قائلًا: "إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ".. فهو لا يعطي الماء إلا للعطشانين.. وأما من ظن في نفسه أنه ليس في حاجة، فلن يطلب ولن ينال.
احذر أن تعيش حياتك بلا عطش روحي، لأن هذا يعني أن روحك بدأت تجف وتموت ببطء! وقد تتصور أنك في حالة روحية جيدة بينما أنت في غربة عن الله!
اسأل نفسك اليوم: هل أشتاق إليه؟ هل أبحث عن وقته في جدولي؟ هل أحزن عندما يفوتني لقاؤه؟ هل أُسرّ بصوته في كلمته المقدسة؟ هل أجد في التسبيح دفئًا وراحة؟ أم أن كل هذه مجرد عادات؟
أيها القارئ العزيز، إن لم تجد العطش في داخلك، فاطلبه في صلاتك. قل له: "يا رب، اجعلني أشتهي حضورك، واملأني بجوع إلى كلمتك، واغرس في قلبي نارًا لا تنطفئ".. وصدقني، سيستجيب.. هو لا يُعطي عطاياه لمن لا يطلب، لكنه قريب جدًا من كل نفس تطلبه من كل القلب..
ابدأ اليوم.. لا تنتظر أن تجبرك الظروف لتعود.. بل قل له: "إني عطشان إليك يا الله الحي. متى أجيء وأتراءى قدامك؟".. وحين تشتاق إليه، ستعرف أن هذا الشوق هو أعظم ما في الحياة.
للمتابعة على قناة التليجرام: @paulawagih
