مصارحة الرئيس واستجابة الحكومة! (1-2)
حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي في ذكرى عيد الشرطة لم يكن مجرد مصارحة ومكاشفة، بل أراها تمهيدًا لتحول أعمق في طريقة إدارة الدولة.. فهل قرأت الحكومة وكل مسئول رسائل الرئيس بحس سياسي ليتأكد لهم أننا أمام مراجعة حقيقية للسياسات، لا مجرد إعادة تأكيد للمسار ذاته مع تغيير محتمل في الوجوه؟
والسؤال الأهم: هل تستطيع الدولة، في لحظة ضاغطة اقتصاديًا واجتماعيًا، أن تنتقل من خطاب التحذير والتنبيه إلى قرارات تعيد للمواطن الثقة والقدرة على الاحتمال؟
بهذه الأسئلة يفرض خطاب الرئيس نفسه على المشهد العام. فلم يكن حديثه بمناسبة الذكرى الرابعة والسبعين لعيد الشرطة خطابًا احتفاليًا عابرًا، بل جاء أقرب إلى مكاشفة مفتوحة حول معنى الدولة، وحدود المسؤولية، وأعباء الحكم في مرحلة دقيقة.
خطاب امتد بين الاقتصاد والإصلاح، وبين الإيمان والمساءلة، وبين السلطة باعتبارها تكليفًا لا تشريفًا، وهو ما يمنحه دلالة أعمق من مجرد توجيه إداري أو توبيخ سياسي.
أعاد الرئيس تثبيت الإطار العام لمسار الدولة: إصلاح اقتصادي، تمكين حقيقي للقطاع الخاص، إدارة رشيدة للموارد، وهدف نهائي واضح هو تحسين حياة المواطن. وهي عناوين ليست جديدة، لكنها هذه المرة قُدِّمت بوصفها مسارًا ثابتًا ومدروسًا، في رد غير مباشر على من يشكك أو يتعجل النتائج، وفي الوقت ذاته تحميل واضح للمؤسسات مسؤولية تحويل هذا المسار إلى نتائج ملموسة يشعر بها الناس في حياتهم اليومية، لا أرقامًا معزولة في تقارير رسمية.
غير أن جوهر الخطاب لم يكن اقتصاديًا بحتًا، بل أخلاقيًا وإداريًا في المقام الأول. حين يتحدث الرئيس عن الحساب أمام الله، وعن أن الأقدام لن تتحرك من مكانها يوم القيامة قبل السؤال عن كل صغيرة وكبيرة، فإنه ينقل فكرة الرقابة من كونها قانونية أو سياسية فقط إلى كونها ضميرية بالأساس.
رسالة صريحة بأن الدولة لا تُدار بالنصوص واللوائح وحدها، بل بضمائر يقظة تدرك أن المنصب لا يحمي صاحبه من الحساب، بل يضاعفه.
المكاشفة هنا لم تستثنِ أحدًا. من رئيس الجمهورية إلى أصغر مسؤول، الجميع داخل دائرة السؤال. وهي نقطة جوهرية في مواجهة أحد أقدم أمراض الإدارة العامة، حيث ترسخ عبر سنوات شعور لدى بعض المسؤولين بأن المناصب العليا مناطق آمنة وبعيدة عن المحاسبة. الرئيس كسر هذا التصور بوضوح، وأعلن أمام الناس، وأمام رب الناس كما قال، أنه أقام الحجة، وأن المسؤولية باتت شخصية ومباشرة.
لكن، بعد هذا الخطاب، يبرز السؤال الأصعب: هل تتحول المصارحة إلى تغيير في السياسات، خصوصًا الاقتصادية؟ هنا يلتقي الخطاب الرسمي مع القلق الشعبي. فالمواطن، رغم تفهمه لتعقيدات المرحلة، بات يواجه واقعًا ضاغطًا: تضخم ينهش دخله، وديون تتزايد وتلتهم جزءًا متصاعدًا من موازنة الدولة، بما يحدّ من قدرة الحكومة على الإنفاق الاجتماعي وتحسين الخدمات.
والسؤال لم يعد عن تغيير الحكومة كأسماء، بل عن تغيير النهج ذاته الذي أنتج هذا القدر من الضغط على الناس.. هل نحتاج إلى تعديل وزاري، أم إلى مراجعة شاملة للفلسفة الاقتصادية؟ هل يكفي استبدال المسؤولين، أم أن المطلوب هو فكر اقتصادي مختلف يوازن بين الإصلاح المالي وحماية الطبقة الوسطى؟
وهل لا يزال الاقتراض هو الخيار الأسهل، أم آن الأوان لإعادة ترتيب الأولويات، ومراجعة جدوى المشروعات، وتوجيه الموارد إلى ما يخلق إنتاجًا وفرص عمل حقيقية؟
حين انتقد الرئيس ثقافة تسيير الأمور والاكتفاء بالحد الأدنى، وحين قال إن كل مؤسسة تعرف ما بداخلها ولا تحتاج من يخبرها، فإنه وضع القيادات أمام مسؤولية الإصلاح الذاتي. غير أن هذا الإصلاح لا يمكن أن يظل إداريًا فقط، بل يجب أن يمتد إلى جوهر التفكير الاقتصادي: دعم الإنتاج لا الاستيراد، تحفيز الصناعة والزراعة، تمكين القطاع الخاص الحقيقي لا الشكلي، وخلق بيئة تنافسية عادلة تعيد الثقة للسوق والمستثمر والمواطن معًا.
في النهاية، فتح خطاب الرئيس نافذة مصارحة، لكنه فتح معها بابًا واسعًا للأسئلة.. والمصارحة الحقيقية لا تكتمل إلا إذا تلتها قرارات تعكس روحها. المواطن لا يطلب معجزات، لكنه يطلب اتجاهًا واضحًا، ونهجًا اقتصاديًا مختلفًا، يشعره بأن ما يتحمله اليوم من أعباء ليس بلا أفق، وأن الدولة، وهي تطلب الصبر، تراجع نفسها بالقدر نفسه من الجدية والمسؤولية.. عندها فقط، يصبح الخطاب نقطة بداية لمسار جديد، لا محطة عابرة في زمن الضغوط.
ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار الـ 24 ساعة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري لـ أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية.
تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هــــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هــــــــنا
