رئيس التحرير
عصام كامل

يوسف بطرس غالي والضريبة العقارية!

18 حجم الخط

الضريبة العقارية، في جوهرها النظري، ليست فكرةً شاذة عن المنطق الاقتصادي أو العدالة الضريبية؛ فالدولة الحديثة، في كل تجاربها الجادة، تبحث عن موارد مستدامة تمكّنها من تمويل الخدمات العامة، وتعيد توزيع جزء من الثروة بما يحقق قدرًا من التوازن الاجتماعي. 

غير أن الإشكال لا يكمن في وجود الضريبة من عدمه، بل في الفلسفة التي تُفرض بها، والمعايير التي تُبنى عليها، والبيئة الاقتصادية والاجتماعية التي تُطبق داخلها.


في الدول المتقدمة، لا تُفرض الضريبة العقارية باعتبارها أداة جباية عمياء، بل باعتبارها مقابلًا واضحًا لخدمات ملموسة. المواطن الذي يدفع ضريبة على عقاره يرى أثرها في شوارع نظيفة، ومرافق مُدارة بكفاءة، ونظام نقل محلي محترم، وأمن وخدمات بلدية حقيقية. 

والأهم من ذلك، أن العقار في تلك الدول يُعد أصلًا استثماريًا يدرّ دخلًا أو يحقق قيمة سوقية مرتفعة، ما يجعل الضريبة جزءًا من دورة اقتصادية مفهومة ومقبولة نسبيًا.


أما المعايير، فهي محددة وشفافة: قيمة سوقية عادلة، إعفاءات حقيقية للسكن الأول، تصاعد ضريبي يراعي الفوارق الطبقية، وربط مباشر بين الضريبة ومستوى الخدمة. لا تُفرض الضريبة لأن الدولة تحتاج المال، بل لأنها تستحقه مقابل ما تقدمه.


في المقابل، تُفرض الضريبة العقارية في الواقع المصري داخل سياق مختلف تمامًا؛ سياق تتآكل فيه الدخول، وتتصاعد فيه معدلات التضخم، ويتحول فيه العقار من أصل منتج إلى ملاذ اضطراري لحفظ قيمة ما تبقى من مدخرات المواطنين. المواطن لا يملك عقاره لأنه ثري، بل لأنه يخشى الغد، ولا يجد نظامًا ماليًا أو استثماريًا يحميه من الانهيار المتكرر لقيمة دخله.


هنا تتحول الضريبة من حقٍ للدولة إلى عبء اجتماعي، ومن أداة تنظيم اقتصادي إلى جباية صِرفة، لا تسأل: هل يدرّ هذا العقار دخلًا؟ هل يملك صاحبه قدرة حقيقية على السداد؟ هل يحصل مقابلها على خدمة تُبرر الاقتطاع؟ بل تكتفي بالسؤال الأسهل: كم يمكن أن نحصّل؟


والسؤال الأعمق الذي يفرض نفسه: هل ما زالت الحكومة، في ظل قيادة الدكتور مصطفى مدبولي، تبحث عن حلول خارج الصندوق، أم أنها اعتادت الطريق الأسهل، طريق التفتيش الدائم في جيوب المواطنين؟


فحين تصبح الضرائب والرسوم هي الحل الجاهز لكل عجز، دون مراجعة جادة لبنية الاقتصاد، أو لتكلفة الإدارة الحكومية، أو لملفات الاقتصاد غير الرسمي، أو لاستثمار أصول الدولة المعطلة، فإننا لا نكون أمام سياسة مالية، بل أمام إدارة أزمة قصيرة النفس.


وهنا تكتسب كلمات الدكتور يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق دلالة خاصة، لا لأنها صادرة عن رجل كان يومًا رمزًا لسياسات ضريبية قاسية، بل لأنها تمثل اعترافًا متأخرًا بحقيقة اجتماعية صارخة.


حين يقول: «المواطن لا يأكل ويشرب مؤشرات»، فهو يقرّ ضمنيًا بأن لغة الأرقام والنسب والنمو المعلن لا تعني شيئًا إذا كان الواقع المعيشي يسير في الاتجاه المعاكس. وحين يضيف: «ما نأمله الآن ألا تتدهور الأمور أكثر»، فهو لا يصف احتمالًا نظريًا، بل واقعًا محسوسًا يعيشه الناس يوميًا.


ذلك التدهور الذي يراه بعض المنتفعين من الحكومة إنجازًا وإعجازًا، لم يعد خافيًا على أحد، من أقصى الصعيد إلى دلتا النيل، ومن القرى المهمشة إلى أطراف المدن المكتظة. فمتى يجد هذا الشعب من يحنو عليه ويرفق به، في ظل تحول السياسات، تدريجيًا، إلى نقيضها الكامل، حيث يُطلب من المواطن أن يتحمل وحده تكلفة الإصلاح، دون أن يرى عدالة في التوزيع، أو أفقًا حقيقيًا للتحسن؟!

الضريبة، في الدولة الحديثة، عقدٌ اجتماعي غير مكتوب. أما حين تُفرض في مناخ اختلال الثقة، وغياب الشفافية، وضعف العائد الخدمي، فإنها تتحول من التزام وطني إلى إحساس بالاستنزاف، ومن مساهمة في البناء إلى شعور بالعقاب.

وإذا كانت الدولة تريد حقًا إصلاحًا اقتصاديًا مستدامًا، فالسؤال لم يعد: كم سنفرض من ضرائب؟
بل: كيف نُنتج ثروة؟ كيف نُحسن إدارة الموارد؟ وكيف نجعل المواطن شريكًا لا مجرد ممولٍ صامت؟

ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار الـ 24 ساعة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري لـ أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية.

تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــــــنا

تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هــــــــــــنا

تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هــــــــــنا

تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هــــــــنا

الجريدة الرسمية