كارني ينزع القناع عن وجه الغرب!
لم يكن ما قاله مارك كارني رئيس وزراء كندا في دافوس زلّة لسان ولا توصيفًا عابرًا لأزمة اقتصادية طارئة، بل اعترافًا متأخرًا بانهيار سردية غربية كاملة. حين يقر رئيس حكومة غربي بأن الاقتصاد أصبح أداة ضغط وسلاحًا، فهو لا يكتشف حقيقة جديدة، بل يرفع الغطاء عن واقع طالما صرخت به دول العالم النامي لعقود:
أن الاقتصاد العالمي لم يكن يومًا محايدًا، وأن مؤسسات التمويل الدولية لم تعمل بمنطق القواعد العادلة، بل بمنطق النفوذ والهيمنة، وأن العقوبات لم تكن أداة أخلاقية بل وسيلة إخضاع وانتقاء سياسي.
لقد قدم كارني، بوضوح لا لبس فيه، تحليلا صريحا معمقا للنظام الدولي في ظل ترامب ورؤيته لنظام بديل بقوله: "النظام العالمي القديم انتهى ولن نرثيه. حين تتوقف القواعد عن حمايتك، عليك أن تحمي نفسك. يجب أن نواجه العالم بأعين مفتوحة كما هو، ولا ننتظر ليكون كما نريده. على القوى متوسطة الحجم أن تعمل معا، لأنها إذا لم تكن على الطاولة كانت على قائمة الطعام.
عندما يتفاوض كل منا على حدة مع القوة المهيمنة، نتفاوض من موقع الضعف، نقبل ما يعرض علينا، نتنافس بيننا من يكون أكثر ممالاة. هذه ليست سيادة، بل تظاهرا بالسيادة. لدينا خيار: إما التنافس لنيل الرضا أو صنع مسار ثالث فاعل ومؤثر".
خطاب كارني لا يمكن قراءته بوصفه صحوة ضمير بقدر ما هو انعكاس لانقسام داخل المنظومة الغربية نفسها؛ عصبة بدأت تتآكل من الداخل حين قرر رأسها إعادة توزيع الغنائم بالقوة، فاختل توازن المصالح، وخرج بعض اللاعبين ليعترفوا -ضمنيًا- بمظلومية تاريخية صُنعت على حساب عالم كامل. هنا لا نتحدث عن نقد ذاتي بقدر ما نتحدث عن صراع نفوذ داخل نظام فقد القدرة حتى على التظاهر بأنه عادل أو متماسك.
الأخطر في كلمات كارني أنه كسر ثلاث مسلّمات شكّلت العمود الفقري للخطاب الغربي لعقود: أن الاقتصاد العالمي حر ومحايد سياسيًا، وأن هناك قواعد دولية - even وإن كانت منحازة- فهي تضع خطوطًا حمراء لا تُمس، وأن التحالفات الغربية صلبة ومستدامة.
الواقع اليوم يقول العكس تمامًا: اقتصاد مُسيّس، قواعد تُنتهك حين تتعارض مع المصلحة، وتحالفات تتفكك مع أول اختبار جدي.
في هذا السياق، تبدو رسالة كارني أقرب إلى إعلان واقع جديد في الاقتصاد السياسي: الاقتصاد لم يعد وسيطًا محايدًا بل أداة صراع، والدول التي لا تمتلك رؤية استراتيجية ستُسحق مهما رفعت من شعارات أخلاقية أو دعائية. وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة: عالم نامٍ لا يزال أسير الخطاب، بينما يُعاد تشكيل النظام الدولي بلغة المصالح الخشنة.
ومن هنا يفرض السؤال نفسه بلا مواربة: هل نحن أمام نهاية النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية؟ وهل ما نشهده هو بداية تفكك منظومة المؤسسات متعددة الأطراف التي قادتها الولايات المتحدة لعقود؟
وهل تمثل نزعات ترامب، بما تحمله من بلطجة اقتصادية ورغبة في إنشاء كيانات بديلة مثل مجلس سلام عالمي، إعلان وفاة عملي للأمم المتحدة بوصفها إطارًا جامعًا -شكليًا- للنظام الدولي؟
وهل العالم يتجه إلى نظام بديل أكثر فوضوية، تُدار فيه العلاقات الدولية بمنطق الصفقات لا القواعد، وبميزان القوة لا القانون؟ وهل ستُستبدل الشرعية الدولية بشرعيات مؤقتة تصنعها التحالفات الآنية؟ والأهم: هل تمتلك دول الجنوب ترف الانتظار، أم أن اللحظة تفرض عليها إعادة تعريف موقعها قبل أن تُفرض عليها الأدوار؟
لا يمكن فصل هذه الأسئلة عن شخصية مارك كارني نفسه؛ فهو ليس سياسيًا تقليديًا، بل عقلا اقتصاديا من الوزن الثقيل، تدرّج بين هارفارد وأكسفورد، وقاد مصرفين مركزيين في دولتين من قلب النظام المالي العالمي. حين يتحدث رجل بهذه الخلفية عن تسليح الاقتصاد، فإن كلماته لا تُقرأ كخطاب سياسي عابر، بل كتشخيص من داخل غرفة القيادة.
نحن، إذن، أمام مشهد عالمي صادم: نظام يفقد شرعيته، اقتصاد يتحول إلى أداة ابتزاز، مؤسسات تتآكل، وتحالفات تعيد تعريف نفسها. والسؤال الذي لا يجوز الهروب منه: هل نملك نحن -كعالم عربي- الوعي والجرأة لصياغة استراتيجيات حقيقية، أم سنظل نكتفي بلعن النظام القديم بينما نُساق إلى مذبح الجديد بلا شروط ولا إرادة؟
ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار الـ 24 ساعة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري لـ أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية.
تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هــــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هــــــــنا
