رئيس التحرير
عصام كامل

أزمة ديون مصر

18 حجم الخط

أزمة الديون فى مصر ليست مجرد أرقام على الورق، بل أزمة معنى: معنى الدولة، ومعنى الموازنة، ومعنى العدالة بين الحاضر والمستقبل، فحين تلتهم فوائد الدَين وحدها ما يقارب كامل الإيرادات العامة، لا نكون أمام خلل محاسبي فحسب، بل أمام اختلال بنيوي في العلاقة بين الدولة واقتصادها، وبين الحكومة ومواردها، وبين النمو على الورق والحياة في الشارع.


رئيس مجلس الوزراء، الدكتور مصطفى مدبولي، أكد أكثر من مرة خلال مؤتمراته الصحفية الأخيرة أن الدولة تسير على مسار واضح لخفض الدَين وتحقيق الاستدامة المالية، مشيرًا إلى أن تحقيق فائض أولى واستمرار معدلات النمو الإيجابية يمثلان الركيزة الأساسية لهذا المسار. لكن قراءة الأرقام تكشف صورة أكثر تعقيدًا، خلافًا للخطاب الرسمي.


فى أول خمسة أشهر من العام المالى الحالي، ارتفع العجز الكلى إلى 3.6% من الناتج المحلى الإجمالى مقابل 3.1% للفترة نفسها من السنة المالية الماضية، ليس لأن الحكومة توسعت فى الإنفاق الاجتماعي أو رفعت الأجور، بل لأن الفائدة وحدها التهمت نحو 96.4% من الإيرادات؛ حيث بلغت فوائد الدين 1.06 تريليون جنيه بزيادة 45.2%، وفق التقرير الشهرى الصادر عن وزارة المالية. هنا يصبح السؤال مُلحًا: عن أي موازنة نتحدث إذا كانت الحكومة تعمل فعليًا لصالح دائنيها قبل مواطنيها؟


الناتج المحلي.. الرقم المضلل

يتكرر في الخطاب الرسمي التركيز على عبارة خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي، وكأنها الحل السحري. لكنها في الحقيقة أكثر المؤشرات خداعًا إذا لم تُقرأ في سياقها الصحيح. الناتج المحلي ليس خزينة الدولة، ولا حسابًا جاريًا، بل قيمة نظرية لما يُنتج في الاقتصاد. 

الدولة تسدد ديونها من الإيرادات العامة: الضرائب، الرسوم، عوائد الأصول، وهو المؤشر الحقيقى على قدرة الحكومة على تحمل الَدين دون تحميل المواطن أعباء إضافية.


إيرادات مصر لا تتجاوز 12–13% من الناتج المحلي، وهى من بين الأدنى عالميًا، بينما يلتهم الدَين أكثر من 65% من الموازنة، وليست المشكلة أن الدَين مرتفع، بل إن القدرة على تحمّله ضعيفة، والفائدة المرتفعة تجعل منه ضريبة خفية على المستقبل.
 

مقارنة سريعة تكشف الخلل: 

اليابان مدينة بأكثر من 250% من الناتج المحلي، لكنها تمتلك إيرادات تتجاوز 35%، وفائدة شبه صفرية، ودَين محلى يغطيه النظام المالى الداخلي. إيطاليا مدينة بنحو 140%، لكن لديها دولة رفاه قوية، ونظام ضرائب فعّال، ومؤسسات قادرة على امتصاص الصدمات. أما مصر، فتمسك العصا من المنتصف: دَين مرتفع، وإيرادات ضعيفة، وفائدة قاسية.


الفائدة.. الضريبة الخفية

حين ترتفع فوائد الدَين بنسبة 45% خلال أشهر قليلة، لتتجاوز تريليون جنيه، فنحن أمام ضريبة غير معلنة، ليست بضريبة قانونية، لكنها تُقتطع تلقائيًا من مستقبل الإنفاق العام. كل جنيه يُدفع فائدة، هو جنيه لم يُنفق على الصحة أو التعليم أو النقل أو البحث العلمي.


الفائض الأولي، الذى تتباهى به الحكومة، يعنى فقط أن الإيرادات تغطى المصروفات دون احتساب الفوائد. لكنه في الواقع فائض نظري، لأن الفوائد ليست بندًا هامشيًا، بل الأكبر في الموازنة. أن تحقق فائضًا أوليًا بينما العجز الكلي يتضخم، يشبه من يسدد ثمن الطعام ويعجز عن دفع إيجار البيت.


النمو.. لمن؟

الحكومة تتحدث عن نمو حقيقى بلغ 4.5% وفق بيانات وزارة المالية، رقم جيد على الورق، لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم: هل هذا النمو يولّد إيرادات؟ هل يخلق عملة صعبة؟ هل يخفف العبء عن الموازنة؟ النمو الذى لا يتحول إلى ضرائب عادلة، أو صادرات، أو وظائف مستقرة، هو نمو بلا أثر مالي. 

القطاع الخاص يتحرك، لكن دون إطار ضريبى فعّال. الاستثمارات تأتي، لكن جزءًا كبيرًا منها قصير الأجل، سريع الخروج، شديد الحساسية، ما يضعف تأثيره على الاقتصاد الحقيقي.


الصكوك السيادية.. إدارة الدين أم ترحيل الأزمة؟

طرح الصكوك الأخير بقيمة 1.5 مليار دولار كان ناجحًا من حيث الإقبال والتسعير، لكن السؤال الأهم ليس نجاح الطرح الفني، بل الهدف الاقتصادي الحقيقي. حين تُصدر الدولة أدوات دَين جديدة بفائدة أقل قليلًا من السوق، فهي تحسّن شروط الاقتراض لكنها لا تقلل الحاجة إليه.
الاقتراض الأرخص لا يعنى اقتراضًا أقل، تنويع أدوات الدين، وإطالة عمره، وتوسيع قاعدة المستثمرين كلها إدارة للمرض، لا علاجه.


المقايضة الكبرى.. وهم الحل السريع

مقترح رجل الأعمال حسن هيكل ببيع أصول الدولة للبنك المركزى لتصفير الدين المحلى أثار جدلًا واسعًا. إذ يرى هيكل أن المبادلة وحدها ستخرج البلاد من الأزمة، وهو الأمر الذى عارضه المصرفي المخضرم هشام عز العرب، رئيس البنك التجاري الدولي أكبر بنوك القطاع الخاص، مؤكدًا عبر منصة “إكس” أن هذا يعنى إعلان إفلاس، خصوصًا مع امتلاك الأجانب لنحو 40% من أدوات الدَين الحكومية، متسائلًا: هل تحويشة الناس ستصادر لتعطى أصولًا بدلًا منها؟.


فيما شدد الدكتور محمود محيى الدين، النائب الأول لرئيس البنك الدولى لأجندة التنمية، على أن الأزمات الاقتصادية لا تُحل بحركات بهلوانية، بل بانضباط مالي، ووحدة موازنة، ونمو إنتاجى يقوده القطاع الخاص ويُترجم إلى إيرادات حقيقية.


والحقيقة أن البنك المركزي ليس مخزن ديون، ولا يجب أن يتحول إلى مظلة لإنقاذ المالية العامة.. المساس بميزانيته، حتى نظريًا، يضرب الثقة، ويهز الأساس الذي يقوم عليه النظام المصرفي.


الدين الخارجي.. بين الحقيقة والتضليل

جزء من ارتفاع الدين الخارجى إلى 161.2 مليار دولار بنهاية الربع الثانى 2025 مقابل 155.1 مليار دولار بنهاية 2024، ناتج عن فروق تقييم العملات، حسبما صرح فخرى الفقي، رئيس لجنة الخطة والموازنة السابق، لشبكة CNN، مؤكدًا أن قراءة أرقام الدين بمعزل عن خلفياتها الفنية قد تُنتج انطباعات غير دقيقة.


ما قاله الفقى حقيقة لكنها لا تنهى القلق لأنها تمس جوهر المشكلة، وهو هيكل الدين وتكلفته ومصادر سداده.
الودائع الخليجية مستقرة، والأموال الساخنة تدعم الاحتياطي لكنها مؤقتة، والديون على الهيئات الاقتصادية لا تضغط مباشرة على الموازنة ما دامت تلك الجهات قادرة على السداد.


من الأزمة إلى الحلول

خلاصة الأمر، كما يشير الدكتور محمود محيى الدين أن مصر أمام مفترق طرق، إما الاستمرار فى إدارة الأزمة بطريقة شكلية عبر صكوك وأذون وسندات أو الانتقال إلى سياسة اقتصادية فعلية تعتمد على الاستثمار، الإنتاج، توطين التنمية، وتوسيع قاعدة الإيرادات، بما يحوّل الدَين من عبء ثقيل على المواطن إلى أداة استثمارية للنمو والتنمية.


التوسع فى الاستثمار العقاري والاستثماري المباشر في الأراضي والشواطئ والمناطق الاستراتيجية وفتحها أمام المستثمرين المصريين والعرب يعد خيارًا واقعيًا؛ فتجربة رأس الحكمة بالساحل الشمالي الغربي لمصر مع المستثمرين الإماراتيين توضح قدرة القطاع الخاص الخليجي على ضخ رؤوس أموال كبيرة مقابل عوائد واضحة..

حيث وصلت القيمة الإجمالية للصفقة وفق ما أعلنت الحكومة إلى 35 مليار دولار، بينما استثمارات قطر في مشروع تطوير منطقة سملا وعلم الروم بمطروح تصل قيمتها الإجمالية إلى 29.7 مليار دولار، وهى تبرز كيف يمكن للمشروعات الساحلية أن تصبح مصدر عملة صعبة وفرص عمل.
 

توجيه جزء من العوائد الناتجة عن بيع أو تأجير الأراضى الساحلية والزراعية أو المناطق الصناعية إلى خدمة الدَين الداخلي أو دعم قطاعات الصحة والتعليم والطاقة المتجددة يخفف الضغط على الموازنة العامة.


الدروس الدولية تثبت جدوى الحلول العملية ومنها أيضًا: إصلاحات هيكلية للضرائب، تحفيز القطاع الخاص المحلي، دعم الصناعات التصديرية، وتوليد إيرادات فعلية تغذى الموازنة وتقلل الحاجة إلى الاقتراض. فبالنظر إلى تجارب دولية أخرى بخلاف اليابان وإيطاليا نجد أن البرتغال وأيرلندا خفضتا تكلفة الدين تدريجيًا بعد إصلاحات هيكلية، وطرح أصول الدولة، وجذب استثمارات استراتيجية.


صفر ديون.. أم خفض الفائدة؟

الهدف إذًا ليس الوصول إلى صفر ديون، بل خفض الفائدة، زيادة الإيرادات، وتحويل النمو على الورق إلى موارد مالية حقيقية تخفف العبء عن المواطن وتحمى الاقتصاد من الأزمات المستقبلية.

الدَين ليس شرًا مطلقًا، لكنه يصبح خطرًا حين يفقد معناه التنموي. حين تصبح الموازنة أداة لإدارة الديون لا الدولة، يفقد المواطن الثقة حتى لو تحسنت المؤشرات.

السؤال الذى يحتاج إلى إجابة واضحة: متى تتحول الأرقام إلى خدمات؟ متى يشعر المواطن أن الحكومة تعمل لصالحه لا لصالح الفائدة؟ وهل سيشعر المواطن فى 2026 بثمار الإصلاح كما أعلن رئيس الوزراء د. مصطفى مدبولي؟

الإجابة ليست في صكوك أو أذون خزانة أو سندات، بل في سياسة اقتصادية حقيقية، استثمارات مستدامة، إدارة إنتاجية للموارد، وانضباط مالي متكامل. دون ذلك، ستظل أزمة الديون في مصر أزمة سياسة ورؤية قبل أن تكون اقتصادًا وسيظل المواطن يعانى دون أن يجنى ثمار الحكومة!

ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار الـ 24 ساعة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري لـ أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية.

تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــــــنا

تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هــــــــــــنا

تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هــــــــــنا

تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هــــــــنا

الجريدة الرسمية