رئيس التحرير
عصام كامل

سقوط المنطقة الخضراء.. العراق عائد إلى سنوات الدم والندم على عهد مهيب الركن

صدام حسين
صدام حسين

تصاعدت الأحداث في العراق بشكل غير مألوف في فصل جديد من فصول الصراع على السلطة بين رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر وخصومه من الشيعة المدعومين من إيران، وبات الخلاف على من سيشكل الحكومة المقبلة مصدر تفاقم الشقاق في المجتمع البيت الشيعي السياسي في العراق الذي يهيمن على السياسة في البلاد منذ غزو الولايات المتحدة والإطاحة بالرئيس الراحل صدام حسين في العام 2003.

 

تاريخ المنطقة الخضراء في العراق

ومع تواصل الانسداد السياسي الذي يعيشه العراق، انفجر الوضع على الأرض، وزاده اشتعالًا إعلان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، اعتزاله السياسة، وإعلانه دفع أنصاره، الذين يعتصمون منذ أسابيع داخل مقر البرلمان في المنطقة الخضراء، للتظاهر واقتحام المقر الرئيسي لمجلس الوزراء.

 

استولى متظاهرون في دلالة رمزية على "بدلة" الرئيس العراقي برهم صالح بعد اقتحام غرفة نومه خلال اقتحامهم للقصر الجمهوري في العاصمة بغداد، لتفقد المنطقة الخضراء هيبتها بطريقة تعيد إلى الأذهان الفوضى التي كانت تعيشها البلاد إبان الغزو الأمريكي.

 

مظاهرات واحتجاجات أنصار الصدر لم تقتصر فقط على العاصمة بغداد بل شملت مختلف أنحاء العراق، حيث أفادت مصادر، بأن جماهير غفيرة من المحتجين توجهوا في مختلف المحافظات لاقتحام المباني الحكومية، وسط هتافات تندد بالنظام السياسي والمطالبة بالتغيير الجذري.

 

والمنطقة الخضراء هو اسم يشمل منطقة كرادة مريم وجزءًا من حي الحارثية وجزءًا من حي القادسية في بغداد، العراق، وأنشئت هذا النطاق قوات الاحتلال الأمريكي التي غزت العراق عام 2003، وتبلغ مساحتها تقريبا الـ 10 كم² وتقع في وسط العاصمة، وبدأ اسمها بالظهور مع قيام الحكومة العراقية الانتقالية ولها عدة بوابات، منها بوابة القدس وبوابة وزارة التخطيط وبوابة القصر الجمهوري، تغيّر اسم المنطقة إلى المنطقة الدولية.

 

والمنطقة الخضراء، هي من أكثر المواقع العسكرية تحصنًا في العراق، وهي مقر الدولة من حكومة والجيش، إلى جانب احتوائها على مقر السفارة الأمريكية ومقرات منظمات ووكالات حكومية وأجنبية لدول أُخرى.

 

وكان اسم المنطقة الخضراء القديم هو كرادة مريم واسمها الرسمي وفقًا للخرائط هو حي التشريع وكانت منطقة سكنية لأعضاء الحكومة العراقية والعديد من الوزارات وتحوي عددا من قصور الرئيس السابق صدام حسين وأولاده. ومن أكبر القصور ضمن هذه المنطقة كان القصر الجمهوري وقصر السلام.

ووقعت اشتباكات بين أنصار الصدر وأنصار جماعات الإطار التنسيقى المدعومة من إيران خارج المنطقة الخضراء بوسط بغداد، وتبادلوا الرشق بالحجارة. ليظهر على السطح السياسي مدى قوة مقتدى الصدر، الذي بات العقدة والحل أمام الإطار التنسيقي.

 

من هو مقتدى الصدر وما هو "الإطار التنسيقي"؟

ينحدر مقتدى الصدر من عائلة دينية بارزة، تدعمه قاعدة شعبية شديدة الولاء ولديه سجل حافل بالأعمال والقرارات الثورية، ومنها قتال القوات الأمريكية بعد الغزو والاشتباك مع السلطات العراقية.

 

وقاد الصدر فصيل جيش المهدي الذي برز في السنوات التي تلت الغزو، لكن تم حله رسميًّا في العام 2008 غير أن سرايا السلام النابع منها ما زالت تحتفظ بآلاف المقاتلين المسلحين.

 

مقتدى الصدر له نفوذ كبير في الدولة، حيث يشغل أنصاره مناصب عديدة، وقد أكد أوراق اعتماده كوطني عراقي في السنوات القليلة الماضية بمعارضته نفوذ كل من الولايات المتحدة وإيران.

 

ومن جانبهم يشكل خصوم الصدر الشيعة تحالفا يعرف بـ"الإطار التنسيقي" يضم ساسة متحالفين مع طهران مثل رئيس الوزراء السابق نوري المالكي وجماعات شبه عسكرية تسلحها وتدربها إيران.

 

وتبقى علاقات العديد من هذه الجماعات بطهران مقترنة بالحرب الإيرانية العراقية، عندما دعمت إيران الشيعة ضد صدام. ويتبادل كلا الجانبين اتهامات الفساد في البلاد.

 

سبب التوتر في العراق 

اشتدت حالة  التوتر منذ انتخابات أكتوبر الماضي التي برزت فيها تيار الصدر كأكبر كتلة برلمانية بـ74 مقعدًا من مجموع 329 وتراجعت حصة الفصائل المدعومة من إيران إلى 17 من 48 سابقًا.

 

وبعدما فشلت في إلغاء نتيجة الانتخابات على الساحة القضائية، شرعت الفصائل المدعومة من إيران -الإطار التنسيقي - في إحباط جهود مقتدي الصدر لتشكيل حكومة تضم حلفاءه من الأكراد والعرب السنة، لكنها استبعدت الجماعات التي وصفها الصدر بالفاسدة أو الموالية لطهران.

 

ورغم تضاؤل عدد ممثليها في البرلمان، تمكن الإطار التسيقي من إحباط الصدر عبر حرمانه فى الحصول على ثلثي النصاب القانوني اللازم لانتخاب رئيس دولة كردي، وهي الخطوة الأولى نحو تشكيل حكومة في العراق.

 

وبغية الخروج من هذا المأزق طلب مقتدي الصدر من نوابه الانسحاب من البرلمان في يونيو، وسمحت هذه الخطوة بإخلاء عشرات المقاعد "للإطار التنسيقي"، مما يعني أنه قد يحاول تشكيل حكومة من اختياره.

 

واقترح نوري المالكي، خصم الصدر والذي يريد العودة إلى الحياة السياسية، نفسه لتولي منصب رئيس الوزراء، وهو منصب يجب أن ينتقل إلى شيعي في النظام السياسي العراقي، لكنه تراجع بعد أن انتقده الصدر في تغريدة على تويتر.

 

وقام خصوم الصدر بعد ذلك بطرح مرشح آخر، وهو محمد شياع السوداني، الذي يعتبره أنصار الصدر من الموالين للمالكي وهو الأمر الذي أشعل فتيل الاحتجاجات.

 

تبعات الصدام في العراق

ويفتقد العراق لحكومة جديدة منذ أكثر من تسعة أشهر الآن ما يعتبر رقمًا قياسيًّا في حقبة ما بعد صدام حسين.

 

وما يغذي هذه المواجهات الفشل السياسي الذريع في بلد يعاني من تردي الخدمات العامة وارتفاع معدل الفقر وانتشار البطالة على الرغم من الثروة النفطية الهائلة والهدوء النسبي الذي تعرفه البلاد منذ هزيمة تنظيم "الدولة الإسلامية" قبل خمس سنوات.

 

هذا، وفي الوقت الذي أدى فيه ارتفاع أسعار النفط الخام إلى زيادة في عائدات النفط العراقية إلى مستويات قياسية، لا توجد ميزانية حكومية للعام 2022، بل وتم تأجيل الإنفاق على مشاريع البنية التحتية التي تشتد الحاجة إليها بالإضافة إلى الإصلاحات الاقتصادية.

 

ومن جهته يبقى الشعب العراقي العادي يعاني من انقطاع الكهرباء والمياه. وفي السياق يدق برنامج الأغذية العالمي ناقوس الخطر ويؤكد إن 2.4 مليون من السكان البالغ عددهم 39 مليون نسمة في حاجة ماسة إلى الغذاء والمساعدة في توفير سبل العيش.

 

كما يصرف هذا الشلل الانتباه عن مشاكل مثل ارتفاع أسعار الغذاء العالمية والجفاف والتهديد المستمر الذي يشكله تنظيم "الدولة الإسلامية".

 

أما رئيس الوزراء المنتهية ولايته مصطفى الكاظمي فيواصل مهامه في تصريف الأعمال في الوقت الحالي.

 

هل يدخل العراق موجة عنف 

كانت أثارت دعوة الإطار التنسيقي لأنصاره بالتجمع الأحد مخاوف من حدوث مواجهة في الشوارع، لكن تم إلغاؤها.

 

ومن جانبها دعت الأمم المتحدة إلى وقف التصعيد بالقول إن "أصوات العقل والحكمة ضرورية لمنع المزيد من العنف". كما دعا العديد من الزعماء العراقيين إلى الحفاظ على السلم الأهلي.

 

أما الصدر فتعهد بالعمل السياسي السلمي، لكن تسانده سرايا السلام المسلحة إذ يحتفظ كثيرون من أتباعه المدنيين بالسلاح، ما يثير مخاوف من وقوع اشتباكات مسلحة إذا اشتدت المواجهة.

كما سيزعج الخلاف بين الشيعة العراقيين إيران ونفوذها الكبير في البلاد من خلال حلفائها الشيعة منذ أن أطاحت الولايات المتحدة بخصمها صدام حسين، لكن يبدو أن الأوضاع ذاهبة إلى الفوضى والصدام مع توافد المئات من أنصار زعيم التيار الصدري، إلى المنطقة الخضراء وسط بغداد، إثر إعلان رجل الدين الشيعي اعتزاله السياسة نهائيًّا، وأعلنت السلطات حظر التجوال وبدأ سقوط القتلى ما يعني أن بلاد الرافدين ربما تغرق في نهر دم لسنوات مقبلة يعلو خلالها صوت الرصاص على صوت العقل والندم على عهد صدام - مهيب الركن كما كان يطلق عليه - والذي تميز بالاستقرار وعدم السماح بدول الجوار في التحكم بمصير البلاد والعباد.

الجريدة الرسمية