رئيس التحرير
عصام كامل

ساعات الذل

إعلان قرأته منذ شهر عبر مواقع التواصل فيس بوك لأحد محلات المأكولات الشعبية الذي طلب شابا للعمل في الطهي وترتيب أدوات المطعم، شريطة أن يكون مختصا أيضا في إدارة عربة طعام أمام المحل والوقوف عليها لمدة 12 ساعة يوميا، بدورة عمل ستة أيام في الأسبوع، بمقابل مادي ألف وخمسمائة جنيه في الشهر فقط!.


وبحسبة بسيطة من قسمة إجمالي المرتب على عدد أيام العمل الفعلي في الشهر مطروحا منها الراحات الأسبوعية، مقسوما على عدد ساعات العمل اليومية، نجد أن راتب اليوم يساوي تقريبا ما يقرب من 58 جنيه، وبقسمتهم على 12 ساعة تساوي ساعة العمل خمسة جنيهات تقريبا، مع ما يتكبده هذا العامل من مشقة الوقوف المستمر على قدميه لمدة تبلغ 312 ساعة شهريا، ما قد يؤدي به إلى دوالي الساقين، فضلا عن الإرهاق البدني العنيف، الذي لا يكفي هذا الراتب الهزيل لعلاج أثاره.

في صباح 9 نوفمبر

لا أعلم لم استدعيت تلك الواقعة إلى خاطري، حينما شاهدت حملة معاً ضد الاتجار بالبشر، والتي تأتي في إطار تنفيذ أهداف الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر (2016-2021)، وتصنف أحد مفردات الحملة، الإجبار على العمل تحت ظروف قاسية، قاهرة، بمرتبات متدنية وساعات طويلة، نوعا من الاتجار بالبشر، مع دعوة ضحاياه إلى إبلاغ السلطات المختصة بهذا فورا.

ولكن هل نصنف إعلان مطعم المأكولات تحت بند الاتجار في البشر؟، نعم نصنفه، فاستغلال حاجات الناس المادية، و قسوة ظروفهم، ورغبتهم في العمل، خاصة بعد جائحة كورونا التي ضربت العالم كافة وتركت أثارا سلبية على اقتصاده، تجعل العمل بمثل تلك الأجور المتدنية نوعا من السخرة والاستعباد والقهر النفسي.

رفقا ثم رفقا

قد يلقd البعض في هذا باللوم على الدولة، ونقول إن مؤسسات الدولة لا تدخر جهدا في الإعلان عن فرص العمل المتاحة داخل وخارج البلاد من خلال نشرات دورية تصدرها وزارة القوى العاملة، مع وضع حد أدنى للأجور في القطاع الخاص.
مثلا، صاحب محل ملابس يجبر فتاة أو شاب على العمل لمدة 12 ساعة براتب ألف جنيه لا تكفي إيجار مسكن أو الإنفاق على أسرة، بذريعة ظروف الجائحة، وقد كان من الأفضل أن يعمل بنفسه على خدمة مشروعه حتى تمر تلك الظروف، بدلا من استئجار عرق الآخرين بقروش زهيدة حتى لو كانوا في أمس الحاجة إليها.

لكل أصحاب الأعمال ومنهم صاحب محل المأكولات، الذين يستعبدون منسوبيهم، بظروف عمل قاسية، بها إنهاك لصحتهم، واستغلال حاجتهم، وإلقاء فتات العيش لهم وأحيانا الامتناع عن صرف رواتبهم بحجج مثل وضع السوق... إلخ، لم لا تجرب بنفسك أن تضع نفسك مكانه وتقف شهرا واحدا على قدميك عدد الساعات الطوال تلك، وتحكم بعدها، هل تساوى تلك المشقة ملاليم الذل التي تلقيها لإنسان اضطرته ظروفه للعمل لديك، اتقوا الله في عمالكم وأعطوا الأجير حقه كاملا مساويا لعرقه وجهده وتعبه.

الجريدة الرسمية