رئيس التحرير
عصام كامل

تجديد الخطاب الديني.. ضرورة عصرية

بعد أزمة الرسوم المسيئة لرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أصبح تجديد الخطاب الديني مطلباً ملحّاً في بلادنا العربية والإسلامية، وأيضا الخطاب الموجه للبلاد الاوربية خاصة والبلاد غير الإسلامية عامة، وكما أن التجديد سنة من سنن الكون، وضرورة من ضرورات العصر التي لا غنى عنها، فهو أيضا مطلب شرعي لقول نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم: إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.


وإذا أمعنا النظر في الخطاب الموجه إلى رعايا الدول الأوروبية ومن يتولون الخطابة فيهم، نجدهم للأسف أصحاب أفكار مغلوطة وغير موافقة لصحيح الدين، أو أنها لا تعيش واقعها وزمانها، فـ"الخطاب الديني" عندهم يعتمد على ما يعرف بالفتح العسكري وليس الدعوي أو مخاطبة العقول، فعلماؤنا الأجلاء أكدوا على أن التجديد يتوقف على فهم الواقع والتعرف على سلبياته ومحاولة علاجها، وردّ الناس إلى المنهج الصحيح من خلال استخدام الحجة الدينية في الحكم على ما يستجد للمسلمين في حياتهم المعاصرة، وأن التجديد في الخطاب الديني هو تجديد في الآليات والوسائل بعيداً عن المساس بالثوابت المتمثلة في القرآن الكريم وسنّة الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك عن طريق الفهم الجديد القويم للنص.

صوت العقل.. في أزمة الرسومات المسيئة للرسول

هذا بالنسبة لتجديد الخطاب الديني للداخل الإسلامي، أما بالنسبة للخارج غير المسلم فلابد أن تكون رسالتنا لهم تتمثل في تغيير فكرهم عن الإسلام، وعلى أن الإسلام يعمل على إعلاء قيم التعايش والتسامح بين كل الأديان ومد جسور التفاهم والإخاء، وعدم المساس بالرموز الدينية جمعاء، وأن الإسلام كدين يرفض الرفض التام الأعمال الإرهابية بكل أشكالها، وأن صحيح الإسلام لا يتفق ولا يرتبط مع أعمال العنف والتطرف، وأن الإسلام دوما يعمل على ترسيخ مبادئ التسامح ونبذ العنف والفكر المتطرف والإرهاب..

الإسلام يعمل على التعاون والتعايش بين شعوب العالم جمعاء، وهذا يلزم أن يكون لدينا حاجة ماسة إلى خطاب ديني (بنائي) وليس خطاباً إنشائياً، خطاب يعتمد على الفكر والعقل والعلم بمتطلبات الشعوب غير الإسلامية من الروحانيات، بعيدا عن التشدد والغلظة والعنف، ومعرفة كيف يفكرون وكيف يعيشون، ولا بد من منصات تابعة لدار الإفتاء والأزهر على الشبكة العنقودية تخاطب الغرب بما يستحدث من أمور وفهم الدين لها، حتى لا يؤثر خطاب الجماعات الإرهابية على تكوين فكرة مغلوطة عن الإسلام لديهم..

مطلوب خطاب يقنع بالرأي والحكمة وليس بالرصاصة ولا الغلظة، خطاب يرون فيه الإسلام حيا متجددا يتفهم واقعهم المادي، خطاب يؤكد على أن حلول جميع مشاكلهم الحياتية موجود في تعاليم الإسلام، خطاب يعتمد على الحوار وعلى مخاطبة العقول أكثر من التلقي والأوامر المحفوظة، خطاب يخاطب الإنسان ويعرف متطلباته الحياتية ويهذبها ويرشدها للتي هي أقوم، خطاب يراعي سنن التغيير الحضاري بين البشر، خطاب ينتقل بنا من ضيق الرأي إلى سعة الشريعة ومقاصدها، ومن الارتجالية إلى العمل والدراسة والبحث والتحري، فالخطاب الديني الواعي هو عمل مبني على برنامج فكري شامل ومتكامل.

ولا بد أن يكون خطابنا الديني الموجه للغرب يحدد القضايا التي استند إليها الفكر المتشدد في تصدير الوجه الدموي المفتري على الإسلام، مثل قضية الجهاد بمفهومه الصحيح فقضية التكفير التي جعلها المتشددون كل همهم وغاية مرادهم، هي على العكس تماماً مما تدعو إليه حقائق الإسلام، فالله سبحانه وتعالى يقول: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، ويقول: (فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)

الشيخ بن تيمية.. كان داعما للدولة وجيشها

وحتى يتم لنا ذلك لابد من ضرورة احترام المرجعية الإسلامية، وترك الحديث في أمور الدين لأهل الاختصاص، كلٌ في علمه وفنه، تحقيقاً لقول الله تعالى: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.

كما أنه مطلوب العمل على أن يكون الخطاب الفقهي ينتهج منهج التيسير وهو منهج الإسلام الصحيح، من دون أن يتخذ ذلك مدخلاً للمساس بالثوابت الشرعية.

وأريد أن أنوه هنا على حقيقة لا بد أن تكون ماثلة أمام شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية وجهات الاختصاص، وهي أن الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني يجب أن تكون دعوة متجددة وغير مرهونة بظاهرة انتشار وتمدد الفكر المتطرف الذي أصبح يمثل خطراً بالغاً على واقع ومستقبل مجتمعاتنا العربية والإسلامية قبل الدول الغير الإسلامية، لأن التجديد سنة الحياة والتغيير قانون الوجود، ولا يوجد شيء مخلوق يظل على حاله إلى الأبد، والبديل للتجديد هو الجمود، والجمود يعني أننا ننتمي إلى دين جامد، وهذا أمر مستحيل..

فالإسلام بطبيعته دين يتماشى مع سنن الحياة، ولا يصادم الفطرة الإنسانية، ومن هنا فهو يشجع ويدعم ويقود التجديد المستمر لحركة الحياة والمجتمع من أجل الوصول إلى الأفضل في جميع المجالات، وحتى لا يكون التجديد أمرا عشوائيا أو ردة فعل لأفعال الحركات الإرهابية ، وإنما هو تجديد يتوقف على فهم الواقع من أجل الكشف عما فيه من سلبيات للانطلاق من ذلك الفهم إلى تصحيح الأوضاع.

وأخيرا أؤكد على أمر مهم نوه إليه علماؤنا الأجلاء المعاصرون، وهو أن هناك مسائل جديدة لم يعرفها علماء الفقه الإسلامي السابقون، تتطلب اجتهادا جديدا وبحثا عميقا لاستنباط الحكم الشرعي الذي ينطبق عليها، فإنزال الفقه على الواقع ضرورة لتطوير الحياة الإسلامية، فالفقه الإسلامي أصبح مطالبا الآن بالبحث عن حلول لمشكلات كثيرة تواجه الإنسان المسلم، وتسبب له حرجا وعنتا في كثير من الأمور الحياتية.

لأن الدعوة إلى تجديد الفقه ليست تخليا عن الدين، ولا خروجا على أحكامه المعلومة من الدين بالضرورة، وإنما تعني إعادة النظر في الموروث الفقهي البشري من ناحية، ومن ناحية أخرى البحث عن الحلول الإسلامية لما جدّ ويجدّ مستقبلا من مسائل جديدة، لأن الشريعة الإسلامية تحمل من المرونة والسعة ما يجعلها تعيش حالة تجديد مستمرة تتجاوب دائما مع مصالح الناس في كل زمان ومكان، وحتى لا نعطي الفرصة للذين شوهوا خطابنا الديني بجنوحهم نحو التشدد والتطرف، بالإساءة إلى إسلامنا في المجتمعات الغربية، وتكوين فكرة مغلوطة في عقولهم عن الإسلام والمسلمين.

الجريدة الرسمية