مظاهرات وعنف
أنا من جيل أدرك خروج المصريين إلى الشوارع عدة مرات على مدى ما يقرب من ثمانية عقود، كانت المرة الأولى في الستينيات بعد إعلان عبدالناصر تحمله مسئولية هزيمة يونيو، ولذلك تنحى عن الحكم وخرجت جموع المصريين إلى الشوارع تطالبه بالبقاء في رئاسة البلاد، ليعيد بناء القوات المسلحة ويقودها في حرب استرداد الأرض المحتلة والكرامة التي أصيبت..
وبعد ثمانية أشهر فقط خرج المصريون مجددا إلى الشوارع محتجين على ضعف الأحكام التي صدرت بحق قادة الطيران المسئولين عن تدمير طائراتنا وهي رابضة في المطارات والقواعد العسكرية، ثم سرعان ما أن طالب المتظاهرون وكانوا من طلبة الجامعات وعمال مصانع حلوان بإصلاح سياسي شامل، وبعدها صدر بيان 30 مارس الذى تضمن بعض الإصلاحات السياسية.
وفي نوفمبر من نفس العام (1968) خرج طلاب جامعة الإسكندرية للشوارع واعتصموا بمبنى الجامعة للمطالبة مرة أخرى بالإصلاح السياسي الشامل.
وفى بداية السبعينيات خرج المصريون إلى الشوارع بحشود ضخمة جدا ليودعوا عبدالناصر الذى صدمتهم وفاته المفاجئة.. وبعدها بعدة أشهر عاد شباب المصريين إلى الشوارع يتظاهرون يطالبون بالحرب لتحرير الأرض واسترداد الكرامة واعتصموا في ميدان التحرير.
وبعد عدة سنوات وفى يناير 1977 خرج المصريون إلى الشوارع محتجين على رفع أسعار سلع غذائية كثيرة على رأسها الخبز، لذلك سميت عالميا بانتفاضة الخبز وللسيطرة على الأمر نزل الجيش إلى الشوارع بعد إلغاء السادات رايات رفع الأسعار.. ثم خرجت في 1986 فئة واحدة من المصريين إلى الشوارع فيما عرف بتمرد الأمن المركزي والذي اقتضى نزول الجيش إلى شوارع القاهرة الكبرى لضمان الأمن.
ثم شهدت البلاد سنوات من الهدوء حتى انتفاضة يناير 2011 التي شهدت اعتصاما طويلا في ميدان التحرير حتى تنحى مبارك في فبراير، وكان قد سبق اندلاع هذه الانتفاضة عدة مظاهرات واعتصامات فئوية كانت بدايتها اعتصام عمال غزل المحلة.. أما بعدها فقد شهدت شوارع القاهرة عنفا خلال المرحلة الانتقالية، إستمر بعد انتخاب مرسي الاخواني ووصل ذروته في مظاهرات الاتحادية احتجاجا على الإعلان الدستوري الذى أصدره مرسي ومنح فيه نفسه صلاحيات شبه إلهية.
وفى يونيو 2013 خرج المصريون إلى الشوارع يطالبون بسقوط حكم المرشد الفاشي والمستبد، وانتهى الأمر بإعداد خطة للمستقبل تحت رعاية القوات المسلحة، قضت بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وتولى رئيس المحكمة الدستورية رئاسة البلاد حتى يتم انتخاب رئيس جديد لها.
ولم يشهد كل خروج للمصريين للشوارع حدوث عنف.. فقد إقترنت بالعنف مظاهرات 1968 في القاهرة والإسكندرية، وكان العنف في الإسكندرية أكبر، وانتفاضة الخبز وتمرد الأمن المركزي وانتفاضة يناير التي شهدت عنفا واسعا.. بينما خلى من العنف خروج المصريين إلى الشوارع بعد الهزيمة لإعادة عبدالناصر قائدا للبلاد، وخروجهم في توديع ناصر إلى مثواه الأخير وانتفاضة يونيو.. وكان العنف محدودا في مظاهرات واعتصام بداية السبعينات للمطالبة بالحرب.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو لماذا شاب خروج المصريين أحيانا للشوارع عنفا، وخلى خروجهم أحيانا أخرى من العنف ومن عمليات السلب والنهب والحرق.
ونستطيع القول ن العنف شاب خروج المصريين إلى الشوارع حينما طالبوا بإجراء تغيير سياسي، أو احتجاجا على قرارات اقتصادية مؤلمة يرفضونها، وحينما حدث صدام مع الأمن خاصة إذا أسفر الصدام عن ضحايا، والعنف أيضا حدث عندما كان هناك دور للإخوان في المظاهرات والاعتصامات..
وكذلك عندما حدث تدخل لمؤسسات ومنظمات اجنبية.. واختفى العنف في خروج المصريين إلى الشوارع حينما كان الوطن في خطر، مثلما حدث عندما تنحى ناصر أو حينما مات فجأة أو حينما شعر المصريون في 2013 أن مصر ضاعت منهم وعليهم أن يستردوها من الذين سلبوها وشوهوا هويتها.
ويبقى القول أن إقتران خروج المواطنين إلى الشوارع ليس بظاهرة مصرية فقط، وإنما هي ظاهرة عالمية، وشاهدوا ما يحدث الآن في فرنسا التي لا يخلو خروج الناس فيها للشوارع من العنف عادة حتى ولو كان في مناسبة رياضية، وقد شاهدت ذلك بعيني في الشانزلزيه.
