رئيس التحرير
عصام كامل

ما حكم تشبه الرجال بالنساء في الملبس وهل يعد فاعله ملعونا؟ الإفتاء تجيب

دار الإفتاء
دار الإفتاء
18 حجم الخط

ما حكم تشبه الرجال بالنساء في الملبس وهل يعد فاعله ملعونا؟ أجابت دار الإفتاء المصرية على سؤال ورد إليها عبر موقعها الرسمي على فيس بوك يسأل فيه صاحبه عن ما حكم الدين في تشبه الرجال بالنساء في الملابس واتباعهم لموضة الغرب؟

وقالت دار الإفتاء في ردها على السائل: اختلف العلماء في معنى النهي المراد من تشبه الرجال بالنساء وعكسه، أو التشبه بغير المسلم، واختلفوا في حمله على الحرمة أو الكراهة أو الإباحة على حسب اختلاف الطباع والأعراف والعادات التي تختلف من بلد إلى آخر، ومدى موافقة هذه الأعراف والعادات أو مخالفتها لأحكام الشريعة الإسلامية.

وبالتحقيق نجد أن التشبه إنما يكون فيما اختص بالْمُتَشَبَّهِ به عادةً أو طبعًا في جنسِهِ وهيئتِهِ، فإن اختص التشبه في جنسه دون هيئته أو هيئته دون جنسه لم يكن حرامًا، ويكون حكمه حينئذٍ راجعًا إلى قصد المتشبه؛ فإن جرى به العرف السليم فلا كراهة، وإلا فهو مكروه.

كما أن تقليد المسلم واتباعه لعادات غير المسلمين وتقاليدهم واتباع كل ما هو جديد -الموضة- في الملبس وغيره: إنما يحرم إذا كان مخالفًا لأحكام الشرع، أو كانوا مختصين بها لأجل كونهم غير مسلمين، وقصد به المسلم مع ذلك تقليدهم فيها من هذا الوجه، أما لو رأى فيها ما يعجبه من جهة الحضارة أو التمدن أو الأخلاق أو الجمال أو غير ذلك مما لا يخالف الشريعة وأحكامها فلا حرج حينئذٍ، ولا يعد من التشبه المنهيّ عنه في شيءٍ.

ومما يجدر الإشارة إليه: أن الإسلام لا يأمر أتباعه بالتميز أو عدم التشبه لمجرد التميز والمخالفة، وإنما يأمرهم بالأخلاق الحسنة والشمائل الكريمة، ومراعاة كرامة الإنسان، والوفاء بالعهود والمواثيق، ومراعاة النظام العام، واحترام الخَلْق والرحمة بهم.

 مشروعية اللباس في الإسلام وشروطه


وقالت دار الإفتاء إن اللباس مشروع في الإسلام لحكم عظيمة، أهمها: الستر، والزينة، وقد امتن الله على عباده بما خلقه لهم من اللباس؛ فقال عز وجل: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 26]، وأمرنا به سبحانه وتعالى فقال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31]؛ أي: ما يستر عورتكم عند الصلاة، ولم تشترط الشريعة لباسًا معينًا، ولكنها وضعت له شروطًا عامة متى تحققت فيه كان الملبوس جائزًا في الشرع؛ منها: أن يكون طاهرًا، غير مغصوب، ساترًا لما يجب ستره من البدن، لا شفافًا رقيقًا يظهر ما يجب ستره، ولا ضيقًا يصف العورة، وألا يكون ذهبًا أو حريرًا بالنسبة للرجال خاصة، إضافة إلى شرط عام في اللباس وفي غيره، وهو ألا يكون فيه تشبه من الرجال بالنساء أو من النساء بالرجال.

حكم تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال

وتابعت دار الإفتاء أن الشريعة الإسلامية ساوت بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، لكنها راعت متطلبات كل منهما حسبما تقتضيه الطبيعة والهيئة الخِلْقية الخاصة بالتكوين الجسماني لكل جنس وما يمر به من مراحل عمرية مختلفة.
وكما أنَّ الشرع الشريف فرق بين جنس الذكر وجنس الأنثى؛ فإنَّه رتَّب على ذلك أحكامًا تقتضي عدم إذابة صفات كل منهما في صفات الآخر.
ومن هذه الأحكام: عدم تشبه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال؛ لِمَا في ذلك من إخراج كل جنسٍ منهما عن الصفة التي خلقه عليها أحكم الحاكمين سبحانه وتعالى؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "لعنَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم الرجلَ يلبسُ لِبْسَة المرأةِ، والمرأةَ تلبس لِبْسَة الرجلِ" أخرجه الإمام أحمد في "المسند"، وأبو داود وابن ماجه في "السنن"، والنسائي في "السنن الكبرى"، وصححه ابن حبان والحاكم.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لعَنَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المتشبِّهينَ من الرّجالِ بالنّساءِ، والمتشبّهاتِ من النّساءِ بالرّجالِ" رواه الإمام البخاري وأصحاب "السنن"، وفي لفظٍ: "لعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم المخنَّثين من الرّجالِ، والمترجِّلاتِ من النّسَاء".

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما أنه رأى أم سعيد بنت أبى جهل متقلدة قوسًا وهي تمشى مِشْيَةَ الرجال، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِالرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ، وَلَا مَنْ تَشَبَّهَ بِالنِّسَاءِ مِنَ الرِّجَالِ» رواه الإمام أحمد في "المسند"، والطبراني في "المعجم الكبير".

و مِن الفقهاء من ذهب إلى أنَّ النهي الوارد في الأحاديث محمول على الحُرمة، وهم الجمهور؛ لأنَّ اللعن لا يكون إلَّا على مُحرَّم، وذلك لعموم الأحاديث الصحيحة في النهي عن تشبه أحد الجنسين بالأخر، ومحلّ الحرمة عندهم إذا تحقق أمران:
الأول: أن يكون التشبه مقصودًا؛ بأن يتعمد الرجل فعل ما يكون من شأن النساء، وأن تتعمد المرأة فعل ما يكون من شأن الرجال، أما مجرد التوافق بدون قصد وتعمد فلا حرج فيه، فإذا انتفى القصد كان الفعل تَشَابُها لا تشبُّها، ولا حرج في التشابه فيما لم يُقصَد.
الثاني: أن يكون التشبه في شيء هو من خصائص الجنس الآخر، ومعيار ذلك: إمّا الدين، أو الطبع والجِبِلَّة، أو العرف والعادة.
وأما ذم التشبه بالكلام والمشي: فمختص بمن تعمد ذلك، وأما من كان ذلك من أصل خلقته فإنما يؤمر بتكلف تركه والإدمان على ذلك بالتدريج، فإن لم يفعل وتمادى دخله الذم ولا سيما إن بدا منه ما يدل على الرضا به، وأخذ هذا واضح من لفظ المتشبهين.

 وحمل جماعةٌ من العلماء النهيَ الواردَ في الأحاديث على الكراهة، ونصُّوا على أنَّه ليس المقصود حقيقة اللعن، بل التنفير والتحذير من الوقوع في التشبه بين كل من الجنسين فيما اختص به الجنس الآخر:
 

تقليد المسلمين لعادات غير المسلمين


أما تقليد الإنسان المسلم واتباعه لعادات غير المسلمين وتقاليدهم: فإنما يحرم إذا كان مخالفًا لأحكام الشرع، أو كانوا مختصين به لأجل كونهم غير مسلمين وقصد به المسلم مع ذلك تقليدهم من هذا الوجه، أما لو رأى في ذلك ما يعجبه من جهة الحضارة أو التمدن أو الأخلاق أو غير ذلك مما لا يخالف الشريعة ولا أحكامها فإن له أن يفعله ولا حرج عليه في ذلك.

الجريدة الرسمية