حسن الاختيار نصف النجاح.. وبناء المؤسسات كل النجاح!
يقول أساتذة الإدارة إن «حسن الاختيار نصف النجاح»، لكن التجارب الناجحة تؤكد أنه قد يكون كل النجاح؛ لأن القائد الحقيقي لا يصنع إنجازًا لنفسه فقط، بل يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من بعده. ومن أفضل ما سمعت في هذا الشأن من الدكتور الهلالي الشربيني، وزير التربية والتعليم الأسبق ورئيس لجنة اختيار القيادات العليا بالجهاز الإداري للدولة، تقسيمه المديرين إلى ثلاثة أنواع.
الأول: أسد وخلفه صفان من الأرانب؛ وهو المدير الديكتاتور الذي يستبعد الأكفاء، ويحيط نفسه بالضعفاء، ويحجب عنهم الصلاحيات خوفًا على مكانته.
والثاني: أرنب وخلفه صفان من الأسود؛ وهو المدير الضعيف الذي يعجز عن قيادة الكفاءات، فتضيع الإمكانات وتسود الفوضى.
أما الثالث، وهو الأفضل، فأسد وخلفه صفان من الأسود؛ قائد واثق من نفسه، يختار الأكفاء، ويمنحهم الثقة والصلاحيات، ويؤمن بأن نجاح فريقه امتداد لنجاحه. إنه القائد الذي يصنع النجاح الجماعي والمستدام.
وفي السياق نفسه، أكد لي الدكتور أحمد درويش وزير التنمية الإدارية الأسبق، أن المدير الذي لا يُعِدّ كوادر قادرة على تحمل المسؤولية من بعده لا يستحق الترقية؛ فكيف نكافئ مسؤولًا لم يصنع بدائل ناجحة، أو تسبب في إضعاف من حوله؟
ويرى اللواء محسن النعماني وزير التنمية المحلية الأسبق، أن القائد يكفيه حسن اختيار معاونيه، وهي قاعدة إدارية تختصر كثيرًا من أسباب النجاح. ويؤكد الدكتور أحمد جمال الدين موسى، وزير التعليم الأسبق، أهمية بناء المؤسسات؛ فالدول القوية لا تُبنى بالأفراد وحدهم، بل بمؤسسات راسخة، وكفاءات مؤهلة، ونظم قادرة على الاستمرار.
أما الدكتور حسن القلا، رئيس مجلس أمناء جامعة بدر وصاحب التجارب الناجحة، فيرى أن المدير الذكي هو الذي يختار الأكفاء، ويمنحهم الصلاحيات، ثم يجني ثمار نجاحهم.
ولعل تجربة مركز الكلى والمسالك البولية بجامعة المنصورة، الذي أسسه العالم الجليل الدكتور محمد غنيم، تقدم نموذجًا بارزًا للإدارة الناجحة. فقد استطاع أن يبني صرحًا طبيًا عالميًا يقدم خدماته المجانية، وأصبح قبلة للمرضى والباحثين من داخل مصر وخارجها.
والأعظم أنه ترك الإدارة منذ أكثر من ربع قرن، بينما استمرت المؤسسة في أداء رسالتها؛ لأنه لم يبنِ نجاحًا مرتبطًا بشخصه، بل أسس نظامًا مؤسسيًا، وصنع أجيالًا من القيادات والكوادر القادرة على مواصلة المسيرة، بسواعد أبناء مصر، وفي مقدمتهم أبناء الفلاحين بالمنصورة.
والخلاصة أن نجاح المؤسسات لا يُقاس فقط بما يحققه المسؤول أثناء وجوده في منصبه، بل بما يتركه من كوادر ونظم وإنجازات تستمر بعد مغادرته. لذلك، يجب أن يستند اختيار القيادات إلى الإنجازات السابقة، والخبرات العلمية والعملية، والقدرة على إعداد الصفين الثاني والثالث، والإيمان بالعمل الجماعي، والتفكير الإبداعي، والثقة في الكفاءات.
ومصر ليست عقيمة من الكفاءات، كما يردد البعض؛ فمثل هذا الادعاء ينتقص من قدرات شعب يضم أكثر من مائة مليون مواطن، تزخر بينهم العقول والخبرات القادرة على تولي أعلى المناصب وتحمل المسؤولية. بل إن إعداد أجيال جديدة من القيادات مسؤولية أساسية تقع على عاتق المؤسسات والقيادات القائمة.
وفي هذا المقال، استعرضنا نماذج لشخصيات استطاعت النهوض بمؤسساتها وتحقيق تجارب متميزة. لكن المشكلة الحقيقية تبدأ حين تنحرف بوصلة الاختيار، فتُقدَّم الكفاءات الأقل على الأكفأ، ويُهمَّش أصحاب الخبرة والإنجاز.
فالدول التي تعتمد على الأفراد وحدهم تظل هشة، مهما بلغت قدرات قادتها، أما الدول التي تبني مؤسسات راسخة وتُعِدّ أجيالًا من الكفاءات، فتمتلك أسباب القوة والاستمرار.
فالقائد العظيم ليس من يجعل الجميع يحتاجون إليه، بل من يبني مؤسسة تستطيع النجاح حتى في غيابه. وحسن اختيار القادة ليس مجرد قرار إداري، بل استثمار في مستقبل الوطن.

