رئيس التحرير
عصام كامل

كيف عني الإسلام بالبيئة وحث على حمايتها وما مظاهر ذلك؟ الإفتاء توضح

حماية البيئة
حماية البيئة
18 حجم الخط

كيف عني الإسلام بالبيئة وحث على حمايتها وما مظاهر ذلك؟ أجابت دار الإفتاء المصرية عن سؤال ورد إليها عبر موقعها الرسمي فيس بوك عن ما مدى حماية ورعاية البيئة في الإسلام ومظاهر ذلك؟

 

اهتمام الإسلام بالبيئة 

وقالت دار الإفتاء إن الإسلام اهتم بالبيئة اهتمامًا كبيرًا، ووضع من التشريعات والقواعد ما يَضْمَن سلامتها وتوازنها واستقرارها والحفاظ على جميع مكوناتها، من ماءٍ وهواءٍ وأرضٍ وحيوانٍ ونباتٍ وجماد، فأَمَر بعمارة الأرض وإصلاحها، فقال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]، وإعمارُها إنَّما يكون بالحفاظ على ما فيها مِن مُكوِّنات ومُقدَّرات، وتَجنُّب كل ما يُؤدِّي إلى إفسادها أو الإخلال بأحد هذه المكونات، وقال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: 60].

 

الإفساد في الأرض

ونهى سبحانه عن الإفساد في الأرض، وأَمَر بالمحافظة عليها مِن كل ما يُؤثِّر عليها إفسادًا وتلوثًا ويُعرِّضها للضرر أو الإتلاف، فقال تعالى في شأن المنافقين: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: 205]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 85].

وأضافت: لقد كان للإسلام السَّبْق في حماية البيئة ورعايتها والمحافظة عليها منذ اللحظة الأُولَى للتشريع، وذلك بوضع التشريعات والأحكام التي تَضمَن وجود بيئةٍ نظيفةٍ سليمةٍ كما خَلَقها الله تعالى، والمحافظة على مكوناتها، وحماية عناصر الحياة فيها.

8 من أبرز وسائل حماية البيئة - المؤسسة الخضراء | The Green Establishment
حماية البيئة 

 مظاهر حماية الإسلام للبيئة

أوَّلًا: حماية الماء حيث، تَحدَّث عنه القرآن الكريم في مواضع كثيرة، بما يفيد أنَّه قوام الحياة الذي يجب الحفاظ عليه، فهو أصل كلِّ كائن حيٍّ، وبدونه لا عيش لإنسان أو حيوان أو نبات، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30]، فبه يُسْقَى الزَّرْع، ومنه يَشْرَب الإنسان والحيوان، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: 10]، وقال أيضًا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: 27].

حماية المياه من التلوث.. وكالة حوض أبي رقراق والشاوية تواصل تنزيل برامج المراقبة والتتبع | maadialna
حماية المياه 

 

ولهذه الأهمية دعا الإسلام إلى المحافظة على الماء، فنهى عن الإسراف في استعماله، ولو كان للعبادة كالوضوء أو الغُسْل، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر بسعدٍ وهو يتوضَّأ، فَقَالَ: «مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ؟» قَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ» رواه الإمام أحمد في "مسنده"، وابن ماجه في "السنن".

كما نَهَى عن تلويث الماء؛ لأنَّ الماء إذا تلوَّث أصاب الإنسان والحيوان بأضرار جسمية، مثل تفشِّي الأمراض والأوبئة، فضلًا عن الأضرار الاقتصادية؛ مثل التأثير على الثروة السمكية، إلى غير ذلك.

ولهذه الأضرار وغيرها حذَّر الإسلام مِن تلويث الماء بجميع أشكاله، فنهى صلى الله عليه وآله وسلم أن يُبال في الماء الراكد، والعلَّة في ذلك: حمايتُه من أن يكون موطنًا للأمراض والأوبئة، وهذه العلة تَحدُث عند إلقاء الـمُخلَّفات -كالقمامة والحيوانات النافقة، ونفايات الصناعة إلى نحو ذلك- في المياه التي يَسقِي منها الناس زَرعَهم وبهائمهم.

ثانيًا: حماية الهواء؛ فالإسلام اعتبر أنَّ المحافظة على الهواء نقيًّا جزءٌ لا يتجزأ من المحافظة على الحياة نفسها، التي هي مقصد ضروري من مقاصد الشريعة، فهو مكوِّنٌ لا يقلُّ أهمية عن مكوِّن الماء، حيث إنَّه لا يمكن الاستغناء عنه، فهو أمر لازم لكل كائن حي إنسانًا كان أو حيوانًا أو نباتًا، فدعا إلى تشجير الأرض وزراعتها، ونهى عن تقطيع الأشجار لغير ضرورةٍ؛ لدورها في خلق توازن غازات الجو، من ذلك ما رواه الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ».

يقول الحافظ ابن حجر الشافعي في "فتح الباري" (5/ 4، ط. دار المعرفة): [وفي الحديث فَضْل الغَرْس والزَّرْع والحضُّ على عمارة الأرض] اهـ.

كما نهى الشرع الكريم عن تقطيع الأشجار لغير حاجة؛ لما له تأثير على جمال البيئة من جهة، ومن جهة أخرى حرمان الإنسان والحيوان من الاستفادة منها، إضافة لدورها في تلطيف الهواء والمناخ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَقْطَعُوا الشَّجَرَ، فَإِنَّهُ عِصْمَةٌ لِلْمَوَاشِي فِي الْجَدْبِ» رواه عبد الرزاق في "مصنفه".

ثالثًا: حماية الأرض؛ فقد أكَّد الإسلام ضرورة العناية بالأرض، واستصلاحها، ونهى عن الإفساد فيها في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، منها قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: 56].

ومن أوجه محافظة الإسلام على الأرض كونها أحد مكونات البيئة: النهي عن التَّخلِّي وقضاء الحاجة في الطرقات وأماكن جلوس الناس، كالظلِّ ونحوه، فروى الإمام مسلم في "صحيحه" عن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ» قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ».

وكذا مِن أوجه المحافظة على الأرض: تحديد أماكن لقضاء الحاجة والتَّبوُّل، فروى أبو داود في "سننه" عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَبُولَ فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ مَوْضِعًا».

 وحَثَّ الإسلام على إزالة النفايات والقاذورات من الأرض في الطرقات وأماكن جلوس الناس، فروى مسلم في "صحيحه" عن أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الْأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ، وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِي أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ».

وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «وَيُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ».

حماية البيئة في النزاعات المسلحة: القانون الدولي الإنساني والشريعة الإسلامية - مدونة الإنساني | مدونة الإنساني
التصحر 

مكافحة التصحر

يضاف لذلك أنَّ الإسلام حثَّ أيضًا على مكافحة التصحُّرِ عن طريق الدعوة إلى إحياء الأرض الموات واستصلاحها وتشجيرها حتى لا تظل جرداء لا نفع فيها، من ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ» رواه البخاري في "صحيحه".

كما حثَّ الإسلام على الزراعة والغَرْس؛ لما لها مِن أهمية كبرى في عمارة الأرض، وقيام الحياة والحفاظ على البيئة -ما دام المزروع مشروعًا-، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ» رواه الإمام أحمد في "المسند"، والبخاري في "الأدب المفرد".

رابعًا: حماية الحيوان؛ فالحيوان عنصر مهم من نظام الحياة في الأرض، جعل الله فيه فوائد متعددة للإنسان في جوانب كثيرة من أوجه الحياة؛ لذا حثَّ الإسلام على الرفق به وعمل على حمايته والمحافظة عليه والعناية به من ناحيتين، الأولى: الرفق به، والثانية: الحفاظ على وجوده وعدم انقراضه.

الجريدة الرسمية