الدكتور سيف أحمد إسماعيل نجل القائد العام للقوات المسلحة في معركة العبور يفتح خزائن أسراره: السادات كان يراجع خطط الحرب في بيتنا.. ومشروع والدي هو المخطط الحقيقى لنصر أكتوبر
هناك رجال ترتبط أسماؤهم بلحظات تاريخية فارقة، كانوا فيها أبطالا بمواقفهم وعطائهم حتى أصبحوا جزءًا لا يتجزأ من ذاكرة الوطن. ومن أبرز هؤلاء المشير أحمد إسماعيل علي، القائد العام للقوات المسلحة فى حرب أكتوبر 1973، الذى قاد الجيش المصرى فى معركة استعادة الأرض والكرامة.
ولكن صورة القائد العسكرى الصارم لا تعكس الجانب الإنسانى من حياته؛ فكيف كان أحمد إسماعيل الأب والإنسان فى بيته وبين أبنائه؟ عن هذه التفاصيل تحدث نجله الأستاذ الدكتور سيف أحمد إسماعيل، أستاذ جراحة الأورام بالمعهد القومى للأورام بجامعة القاهرة، فى حوار خاص مع «فيتو» ليعيد قراءة ذكريات وتفاصيل نشأته فى بيت قائد الجيش المنتصر فى معركة العبور العظيم.. فإلى نص الحوار:
كيف تتذكر المشير أحمد إسماعيل داخل البيت؟
أنا فخور بوالدى جدًا، ليس فقط لأننى ابن القائد الذى حقق النصر، ولكن لأننى فخور به كإنسان فى المقام الأول. كان يمتلك أخلاقًا ومبادئ عالية جدًا كنا نلمسها يوميًا ونعيشها. لم يكن يعلمنا بالقواعد والنصائح الشفهية فقط، بل كان يطبق كل شيء على نفسه أولًا ونحن نرى تصرفاته ونقتدى بها. إعجابنا به كأبناء لم يكن لمجرد كونه ضابطًا أو قائدًا عسكريًا، بل لأنه كان إنسانًا مثاليًا بحق فى كل أفعاله.
كانت لوالدتكم السيدة الراحلة سماح سيرة عطرة وموقفًا وفيًا بارتداء الملابس السوداء منذ رحيل المشير عام 1974 حتى وفاتها.. كيف أثر رحيله فى الأسرة؟
كان أثر رحيل والدى علينا جميعًا، والدتى ونحن الأبناء الخمسة، بالغ الشدة وعميقًا جدًا، ولا نزال متأثرين به حتى اليوم لأننا أحببناه من قلوبنا. والدتى رحمها الله لم تكن قد تجاوزت الأربعين من عمرها وقت وفاته لأنها تزوجت صغيرة، وظلت ترتدى اللون الأسود وفاءً لذكراه منذ يوم وفاته عام 1974 وحتى وافتها المنية. وكل أخلاقياتنا وتصرفاتنا اليوم نابعة من المبادئ والقيم التى غرسها فينا فى حياته.
ما هو ترتيبك بين إخوتك، وما هى مساراتهم المهنية ومواقعهم اليوم؟
أنا ترتيبى قبل الأخير بين إخوتي. أكبرنا هو السفير محمد أحمد إسماعيل، وهو كبيرنا والمُوجه لنا وفى مقام الوالد بعد رحيله، وكان آخر مناصبه سفير مصر فى دمشق. تليه سها، وهى حاصلة على ماجستير إدارة الأعمال وتعمل بشركة كبرى، وهى أرملة لمهندس ضابط. تليها الدكتورة نرمين التى اختارت مجال التعليم وأسست مدارس (NIS). ثم أنا، وأخيرًا الدكتورة دينا، وهى عضوة حاليًا بمجلس النواب.
كنت فى كلية الطب وقت وفاة والدك.. هل تتذكر الأيام الأخيرة للمشير وكواليس هذه الفترة؟
نعم، كنت فى السنة الثالثة بكلية الطب تقريبًا، وكنت مدركًا وشاهدًا على كل التفاصيل فى هذه المرحلة المهمة. عشت معه فترة حرب أكتوبر؛ فقبل الحرب كانت والدتى تجرى جراحة خارج مصر ومعها إخوتي، وكنت أنا المقيم معه بمفردى فى البيت. وعند وفاته كان يتلقى العلاج فى لندن، وكنت فى مصر لأداء الامتحانات فلم أتمكن من التواجد معه لحظة رحيله الأخيرة.
هل كان تخصصك فى جراحة الأورام مرتبطًا بمرض الوالد ورحيله؟
رحيل والدى بالمرض كان أحد الأسباب التى دفعتنى لهذا المجال بالفعل، لكنه ليس السبب الوحيد. تخصص جراحة الأورام مجال واعد وفيه اكتشافات وتطور مستمر، وكان يستهوينى الشغف العلمى والبحث فيه.
هل كان التحاقك بكلية الطب حلمك الشخصى منذ البداية أم كان لك رغبة أخرى؟
كان حلمى الشخصى منذ الصغر أن أكون ضابطًا مثل والدي، وبالفعل قدمت ودخلت الكلية الفنية العسكرية ضمن الدفعة 10. لكن والدتى ظلت تحاول إقناعى بترك العسكرية والالتحاق بالطب خوفًا عليّ، حتى نجحت فى إقناعي، فتركت الفنية العسكرية وتحولت إلى طب قصر العينى وتخرجت دفعة 1975.
كيف كان المشير أحمد إسماعيل الأب والإنسان داخل البيت ومع أبنائه؟
رغم الصرامة والحزم العسكرى الذى عُرف به، إلا أنه كان أبًا رحيمًا وحنونًا ومنظمًا للغاية فى البيت. كان كل شيء عنده بنظام دقيق، حتى ملابسه كانت مقسمة لدرجات. وكان يخصص لى وقتًا ثابتًا قبل الامتحانات بثلاثة أشهر لنضع معًا جدولًا منظمًا للمذاكرة، وهذا التنظيم كان السبب الرئيسى فى تفوقى بالثانوية العامة ثم بالكلية.
هل صحيح أن المشير حرص على إلحاقكم بمدارس حكومية وطلب منكم استقلال المواصلات العامة؟
نعم، هذه كانت قاعدته الأساسية للتربية. وكان يصر على أن نركب المترو والأتوبيس لنتعلم العيش كبقية المواطنين، وكان يقول: «اخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم».
ألم تفكر فى تجربة العمل الصيفى أو الاعتماد على النفس بعيدًا عن اسم والدك أثناء دراستك؟
حدث بالفعل وأنا طالب بكلية الطب حيث سافرت إلى إنجلترا وعملت فى أحد الفنادق؛ حملت حقائب، وغسلت أطباق، وقدمت مشروبات. وأنا فخور جدًا بهذه التجربة حتى اليوم لأنها صنعت منى رجلًا يعتمد على نفسه تمامًا دون الاستناد إلى مكانة والده.
ما الدور الذى لعبته الوالدة فى ظل غياب المشير المستمر عن البيت ووجوده على الجبهة؟
ضابط الجيش وقته دائمًا ملك للوطن، ووالدتى قامت بالدور الأكبر وتحملت عبء تربيتنا. كانت تتمتع بذكاء وفطنة ونبل شديد، وبعد وفاة والدى تحولت شخصيتها إلى مساند قوى وموجه لكل الأبناء ولكل من يحتاج مساعدة من حولنا.
كيف تم زواج والدك ووالدتك فى مرحلة مبكرة من حياتهما؟
والدتى كانت تدرس فى مدرسة راهبات بشبرا (الراعى الصالح)، وتقدم والدى لخطبتها عندما كان برتبة نقيب أو رائد، وكانت هى لا تزال فى المدرسة الثانوية ولم تكمل دراستها وتزوجت وعاشت معه رحلة كفاحه.
ما هى قصة منزلكم الحالى ومكتب المشير الذى تحتفظون بكل معالمه حتى اليوم؟
انتقلنا إلى هذا المنزل بعد حرب 73. كان الرئيس أنور السادات يزورنا فى منزلنا القديم لمراجعة خطط الحرب مع والدي، وكان يشتكى من ضيق البيت وانخفاض سقفه لأنه يذكره بأيام السجن، وكان يحث والدى على الانتقال إلى منزل جديد، لكن والدى رفض الانتقال إلا بعد خوض المعركة وتحقيق النصر. وبعد الحرب جرى شراء الأرض وتأثيث المنزل بالتقسيط. أما المكتب، فما زال كما تركه والدى تمامًا؛ يضم هداياه وأسلحته الشخصية وغنائم أخذها من العدو مثل رشاش «عوزي» فى حرب الاستنزاف، وأوسمته، وصوره مع القادة والرؤساء مثل ناصر والسادات والقذافى وحافظ الأسد وتيتو.
المشير أحمد إسماعيل كان من دفعة تاريخية فى الكلية الحربية.. ما هى أبرز محطاته العسكرية؟
تخرج والدى فى الكلية الحربية دفعة أغسطس 1938، وكان فى دفعته الرئيس جمال عبد الناصر والفنان أحمد مظهر، وتلاهم السادات بدفعة، وسبقهم الفريق عبد المنعم رياض. كان والدى الأول على دفعته فى كلية القادة والأركان، وشارك فى مفاوضات جلاء الإنجليز ورفع علم مصر على بورسعيد. شغل منصب مدير المخابرات العامة عام 1969، ثم وزيرًا للحربية عام 1972، وقائدًا عامًا للجيوش العربية فى حرب 1973، ثم نائبًا لرئيس الوزراء عام 1974.
هل شارك المشير فى جميع الحروب الحديثة التى خاضتها مصر؟
شارك فى كل الحروب الحديثة: حرب فلسطين 1948، والعدوان الثلاثى 1956، وحرب 1967، وحرب الاستنزاف، ونصر أكتوبر 1973.. الحرب الوحيدة التى لم يشارك فيها هى حرب اليمن.
ما الذى جعل المشير يبتعد عن الإعلام وعن الممارسات السياسية طوال حياته؟
كان لديه مبدآن ثابتان لا يتحول عنهما؛ الأول هو«العمل يتكلم عن نفسه»، فلم يكن يحب الظهور الإعلامى أو الحديث عن إنجازاته الشخصية. والثانى هو فصل العسكرية عن السياسة؛ ورغم معاصرته لضباط ثورة 23 يوليو وصداقته الشديدة لجمال عبد الناصر، إلا أنه فضّل البقاء عسكريًا محترفًا. وعندما تولى وزارة الحربية سحب الجيش تمامًا من أى عمل سياسى ليركز كل طاقته نحو هدف واحد فقط: «أن نحارب ونسترد الأرض والكرامة».
ما هى الكلمات التى كتبها المشير أحمد إسماعيل بخط يده عن شهر أكتوبر فى وثائقه؟
كتب والدى وثيقة بخط يده قال فيها: «الحمد لله أننا عاهدنا الله وصدقنا، وثق بنا القائد الأعلى فنفذنا المهام التى كلفنا بها. الحمد لله أننى أكتب هذه الذكريات فى شهر أكتوبر الذى تربطنى به علاقة خاصة: ففيه ولدت، وفيه عينت وزيرًا للحربية وقائدًا عامًا للقوات المسلحة، وفيه أيضًا قامت الحرب التى اقتحمنا بها حاجز الصلب واللهب وحطمنا نهائيًا نظرية الأمن الإسرائيلى ورفعنا رأسنا عاليًا، وفيه أيضًا رقيت إلى رتبة المشير. ماذا أريد بعد ذلك؟ إننى أحمد الله ولا أمل شكره والسجود له، وأحنى رأسى لمصر وأمتنا العربية عرفانًا وولاءً، وأقف فى خشوع لأحيى أرواح الذين أسهموا فى صنع النصر من شهدائنا الأخيار.. والجرحى على طريق الشفاء. وأخيرًا فإننى لست بأفضل من زملائى الذين أعطوا أرواحهم وحياتهم وعصارة فكرهم وجهدهم فداءً للوطن. لست إلا رجلًا بين هؤلاء الرجال، أتاحت لى الظروف أن أتولى القيادة فوفقنى الله بهم، ووفقنا الله جميعًا إلى تحقيق أمل أمتنا فينا. الحمد لله».
ماذا كشف تقرير أكاديمية ناصر العسكرية عن شخصيته ورؤيته الاستراتيجية المبكرة؟
درس والدى بالأكاديمية عامى 1961-1962، وقدم مشروع تخرج بالاشتراك مع الفريق عبد المنعم رياض بعنوان «استعادة قطعة أرض استولى عليها العدو» وهو المخطط الذى تم تطبيقه حرفيًا وبدقة فى حرب 1973. وجاء فى تقرير الأكاديمية عنه أنه أظهر ابتكارًا ومبادأة ونشاطًا كبيرًا، وكان متواضعًا وقادرًا على تطبيق النظريات العسكرية فى حل المشكلات العملية، وماهرًا فى سرعة تقدير الموقف واتخاذ القرارات السليمة والتحليل الاستراتيجى المباشر لميدان المعركة.
كيف كانت علاقة المشير بالرئيس الراحل أنور السادات خلال فترة التخطيط للحرب؟
كانت العلاقة قائمة على الثقة المطلقة والتكامل؛ السادات كان يرى فيه القائد العسكرى القادر على تنظيم الجيش وتحقيق الهدف التكتيكى والاستراتيجى بكفاءة عالية، وكان يثق تمامًا فى قراراته العسكرية وتقديره للموقف فى الميدان.
هل كان المشير يتحدث معكم فى البيت عن تفاصيل المعركة أو احتمالات الحرب قبل وقوعها؟
إطلاقًا، كان يفرض سياجًا صارمًا من السرية والكتمان على كل ما يتعلق بالعمل العسكري. لم نكن نعرف أى تفاصيل، وكان يتعامل فى البيت كأب طبيعى جدًا يهتم بأمورنا الدراسية والحياتية دون أن يظهر عليه عبء ما يخطط له.
كيف استقبلتم خبر اندلاع الحرب وتولى والدكم القيادة العامة للمعارك؟
استقبلنا الخبر كبقية الشعب المصرى بالدعاء والفخر. كنا نعرف حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، وكانت مشاعرنا مزيجًا من القلق والدعاء بالنصر والسلامة لكل جنود مصر وضباطها.
ما الأسلوب الذى كان يتبعه المشير فى التعامل مع مرؤوسيه وضباطه فى الجيش؟
كان يجمع بين العدل الصارم والحزم من جهة، والاحتواء الأبوى والتقدير لكل جهد يبذل من جهة أخرى. كان يعامل الجميع بمنطق الفريق الواحد، ولا ينحاز إلا للكفاءة والالتزام والعمل الجاد.
كيف كانت الشهور الأخيرة فى حياة المشير بعد انتهاء الحرب وترقيته لرتبة المشير؟
كانت شهورًا مليئة بالعمل الشاق رغم اشتداد المرض عليه. لم يركن إلى الراحة بعد النصر، بل واصل عمله وواجباته الوطنية والقيادية حتى اللحظات الأخيرة قبل سفره للعلاج فى لندن.
ما هى أهم المبادئ التى حرص المشير أحمد إسماعيل على غرسها فى أبنائه وتعتبرونها إرثه الحقيقي؟
غرس فينا التواضع الشديد، والاعتماد على النفس، واحترام المال العام، وعشق الوطن والعمل بإخلاص وسكوت دون انتظار مقابل أو ثناء من أحد، وأن قيمة الإنسان تتحدد بأفعاله لا بما يقوله.
كيف ترى التكريم الشعبى والرسمى لاسم المشير أحمد إسماعيل بعد عقود من رحيله؟
نرى أن محبة الناس وتقدير التاريخ لمجهوده هى التكريم الأكبر. اسم المشير سيبقى حيًا فى ذاكرة الوطن والأجيال القادمة كرمز للإخلاص والتخطيط العلمى والانتصار.
كلمة أخيرة ورسالة توجهها لوالدك الراحل فى ذكرى النصر؟
أسأل الله أن يرحمه ويسكنه فسيح جناته. رحل وهو فى سن السابعة والخمسين، وهى سن صغيرة بمقاييس العصر، لكنه قدم لوطنه وأمته عملًا خالدًا سيبقى ما بقيت الحياة. نحن مدينون له كأسرته وكشعب مصرى وعربى بأنه كان سببًا فى استعادة الكرامة والأرض. عاش فى صمت، ورحل فى هدوء، وسيبقى اسمه محفورًا مع الشهداء والأبرار.
