رئيس التحرير
عصام كامل

وظيفة الفنان واللاعب!

18 حجم الخط

مصر قبلة الفنانين.. عبارة تبدو جميلة في ظاهرها، لكنها تؤلمني كثيرًا في معناها الأوسع؛ فقد سمعت من فنانين ومطربين عرب أن نجوميتهم الحقيقية بدأت بعد مجيئهم إلى مصر، وأن أبواب الشهرة والمجد والثراء فُتحت لهم هنا.
ولا أعترض على أن تكون مصر حاضنة للفن والفنانين، فهذا جزء أصيل من قوتها الناعمة، لكن ما يؤلمني أن تتحول مصر، التي كانت قبلة العلماء والمدرسين والأطباء والمهندسين والمفكرين، إلى بلد تتصدر فيه الشهرة والثروة مجالات الترفيه والرياضة، بينما يتراجع أصحاب العلم والمهن التي تبني حياة الناس.


مصر غزت العالم بقوتها الناعمة بالعلم والأدب والفكر والفن الهادف. وكان لدينا فنانون عظماء لم يكونوا مجرد مشاهير، بل كانوا قدوة حقيقية للشباب المصري والعربي، وقدموا أعمالًا أثرت في الوجدان وصاغت الوعي.
ومنذ نحو عشر سنوات كتبت مقالًا بعنوان «مطلوب تغيير اتجاه القبلة»، دعوت فيه إلى أن تصبح مصر قبلة العلماء والخبراء والمستثمرين وأصحاب المهن والأفكار المبدعة التي تضيف إلى الوطن.


لكن ما يثير القلق اليوم هو نزيف العقول والنوابغ، وتحول الهجرة إلى حلم لدى كثير من الشباب المتميز علميًا وأخلاقيًا، بحثًا عن فرصة تقدر علمه وجهده. وهذا أمر يستحق الانتباه الجاد؛ لأن خسارة العقول لا تقل خطورة عن خسارة أي مورد من موارد الدولة.


والشباب حين يرى أن الشهرة والمال يذهبان إلى أهل الفن والرياضة والإعلام واصحبوا هم نجوم المجتمع، بينما يظل  العلماء والأطباء والمهندسين والمعلمين والباحثين يكافحون بأجور محدودة، فمن الطبيعي أن يعيد حساباته بشأن مستقبله.


وأتذكر هنا واقعة شهيرة تُنسب إلى مانويل جوزيه، المدير الفني السابق للأهلي، حينما تمرد عليه أحد لاعبى الفريق الكبار ذات مرة، فاستدعاه غاضبًا وقال له: أتعجّب من غرورك وكأنك تفعل شيئًا مهمًا، أنت لست مدرسًا ولا كاتبًا ولا طبيبًا ولا مهندسًا، إنما أنت، وأنا معك، مثل العاملين فى السيرك، وظيفتنا هى إمتاع الناس بعض الوقت حتى ينصرفوا هادئين إلى أعمالهم المهمة التى تضيف إلى الحياة.

 

وبصرف النظر عن دقة تفاصيل الواقعة، فإن فكرتها تستحق التأمل: الفن والرياضة جزء مهم من حياة المجتمع، لكنهما لا يصنعان المستقبل. ما يقلقني حقًا أن يصبح أقصى طموح الأسرة المصرية أن يكون ابنها لاعب كرة قدم أو فنانًا أو مطربًا، وأن تصبح اختبارات الأندية أهم في نظر بعض الأسر من امتحانات الجامعات، وأن تتحول الشهرة إلى معيار للنجاح والقدوة.


أين ذهب حلم أن يكون ابننا عالمًا أو طبيبًا أو مهندسًا أو باحثًا أو مخترعًا؟ لقد كانت قدوتنا أجيالًا من العلماء والمفكرين، من مصطفى مشرفة وطه حسين إلى محمد غنيم وأحمد زويل ومجدي يعقوب وغيرهم من الذين تركوا أثرًا يتجاوز أعمارهم وأشخاصهم إلى أجيال كاملة.

ليس المطلوب أن نحارب الفن أو الرياضة، بل أن نعيد التوازن إلى مفهوم النجاح والقدوة. الفنان واللاعب يسعدان الناس، وهذه مهمة لها قيمتها، لكن العالم والطبيب والمعلم والمهندس والباحث يصنعون حياة الناس ومستقبل الوطن.

ومن حق أصحاب هذه المهن أن يحصلوا على التقدير المادي، والأهم أن يحصلوا على التقدير الأدبي والمعنوي، وأن يجعلهم الإعلام في مقدمة نجوم المجتمع، حتى يرى أبناؤنا أن النجاح لا يعني الشهرة وحدها، وأن القدوة ليست بالضرورة صاحب أعلى أجر أو أكبر عدد من المتابعين.

نحن في حاجة إلى تغيير اتجاه البوصلة.. حتى تصبح مصر قبلة وليست طاردة للعلم والعقول والإبداع، كما كانت دائمًا.

الجريدة الرسمية