رئيس التحرير
عصام كامل

محيى الدين وجرس إنذار!

18 حجم الخط

في حديثه من قلب نيويورك، لم يكن الدكتور محمود محيي الدين يطلق تحذيرًا عابرًا، ولا يشارك في ندوة أكاديمية ترفية، بل كان يقرع جرس إنذار حقيقيًّا، إنذارًا يتجاوز حدود الاقتصاد إلى مصير العالم ذاته. 

فالرجل، الذي راكم خبرته بين المؤسسات الدولية ومراكز صنع القرار، قالها بوضوح: النظام العالمي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية قد انتهى، ولم يولد بعد نظام بديل يحكم العلاقات الدولية أو يضبط إيقاع المصالح.


العالم اليوم لا تحكمه القواعد، بل القوة. لا منطق القانون، بل منطق “من يملك يفرض”. نحن، كما وصف محيي الدين، نعيش لحظة فراغ شبيهة بما بين الحربين العالميتين، حيث تتقدم الوحوش الضارية وتعود شريعة الغاب في ثوب حديث: تسليح الموارد، ابتزاز الديون، حروب سيبرانية، وصراعات على المياه والغذاء والطاقة. لم يعد العالم قرية صغيرة، بل غابة واسعة، والضعفاء فيها يدفعون الثمن أولًا.


وسط هذا المشهد الكوني القاتم، ينتقل محيي الدين إلى الداخل المصري، لا ليجلد الواقع، بل ليضع يده مباشرة على الجرح. فبينما تنشغل الحكومة بمؤشرات الاقتصاد الكلي، ونسب الدين إلى الناتج، ومعدلات التضخم الرقمية.. 

يذكر الرجل بحقيقة صادمة وبسيطة في آن واحد: الناس لا تأكل الناتج المحلي الإجمالي. المواطن لا يعيش على جداول إكسيل، ولا يطمئن لانخفاض التضخم إذا كانت الأسعار لا تنخفض، والدخل لا يكفي، والخدمات لا تتحسن.


هنا تتكشف المعضلة الحقيقية: الفجوة بين ما يُقال في قاعات المؤتمرات، وما يُعاش في البيوت. قد يتباطأ التضخم رقميًا، لكن الأسعار تظل مرتفعة، وقد يتحسن مؤشر ما، لكن أثره لا يصل إلى المائدة ولا إلى جيب المواطن. هذه الفجوة، في نظر محيي الدين، ليست أزمة أرقام، بل أزمة تنفيذ.

 

فمصر، كما يقول ضمنًا، ليست بلا رؤية، ولا تفتقر إلى الاستراتيجيات أو السرديات الكبرى. المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في غياب البرنامج التنفيذي. ذلك البرنامج الذي يترجم النوايا إلى أفعال، والأهداف إلى جداول زمنية، والشعارات إلى نتائج قابلة للقياس والمحاسبة. 

برنامج يحدد، شهرًا بشهر، كيف سينخفض الفقر، وكيف تُخلق فرص العمل، وكيف تُحسَّن الخدمات، ومن يُحاسَب إذا لم يحدث ذلك.
 

بدون هذا البرنامج، ستظل الحكومة تتحدث بلغة المؤشرات الكلية، بينما يتحدث المواطن بلغة الغلاء والضغط اليومي، ويعيش كل طرف في وادٍ منفصل عن الآخر.


وفي ملف الدين، جاء حديث محيي الدين خاليًا من أي أوهام. حين سألته لميس الحديدي عن آليات غير مسبوقة لتخفيض الدين، كان الرد حاسمًا: لا توجد حركات أكروباتية في الاقتصاد، ولا صفقات سحرية تنقذ دولة. الاقتصاد علم وعمل. 

والدين، في جوهره، معادلة بسيطة لها بسط ومقام. السيطرة على البسط تعني تقليل الاستدانة، والذهاب بدلًا منها إلى الاستثمار الحقيقي، وفتح المجال أمام القطاع الخاص. أما تطوير المقام، فيعني توسيع الناتج المحلي، وزيادة الصادرات، وتعظيم الموارد والإيرادات العامة، حتى تصبح خدمة الدين عبئًا محتملًا لا خنجرًا في خاصرة الدولة.


من هنا، يأتي حديثه عن صندوق النقد الدولي لا بوصفه عدوًا ولا منقذًا، بل مرحلة ينبغي أن تكون الأخيرة. “شهادة حسن سير وسلوك” لم تعد كافية في عالم متوحش، والاعتماد الدائم على برامج الصندوق دون توطين التنمية يعني تأجيل الأزمة لا حلها. الخروج الحقيقي يبدأ حين يُبنى اقتصاد منتج، لا اقتصاد قائم على هندسة الديون وترحيل الأعباء.


الخلاصة التي يتركها محيي الدين ثقيلة، لكنها صادقة: عام 2026 ليس عامًا عاديًا. إنه عام اختبار، وربما عام إعادة ضبط للمصنع، عالميًا ومحليًا. النجاح لن يُقاس بنسبة الدين إلى الناتج، ولا بتحسن بيان حكومي، بل بقدرة المواطن على الصمود، وبشعوره بأن الدولة تتحرك معه لا فوقه.

ويبقى السؤال، وهو سؤال المستقبل كله: هل تستطيع الحكومة أن تتحرر من أسر السردية الجميلة، وتدخل منطقة البرنامج التنفيذي الصارم الذي يلمسه الناس في حياتهم اليومية؟ أم سنظل ندور في فلك المؤشرات الكلية، بينما يتآكل الاقتصاد الحقيقي في صمت وازداد معه الفجوة بين المواطن وحكومته، التي يتطلع لتغيير حقيقي ليس في شخوصها بل في أفكارها ومنهجها وسياستها كلها وصولًا لما ينفع البلاد والعباد؟

ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار الـ 24 ساعة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري لـ أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية.

تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــــــنا

تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هــــــــــــنا

تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هــــــــــنا

تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هــــــــنا

الجريدة الرسمية