رئيس التحرير
عصام كامل

سوريا إلي أين (2/ 4)

قسد.. حين يُحيَّد من هزم داعش

18 حجم الخط

في الحروب، تُهزم القوى حين تُستنزف، أو تُحاصر، أو تفقد القدرة على القتال، لكن ما جرى مع قوات سوريا الديمقراطية لا ينتمي إلى أيٍّ من هذه الحالات، قسد لم تُهزم عسكريًا، ولم تُكسر بنيتها، ولم تفقد قدرتها على السيطرة أو الردع، ومع ذلك انسحبت من مساحات واسعة كانت تمثل عمق نفوذها الجغرافي والسياسي. وهنا بالضبط، ينتقل السؤال من الميدان إلى السياسة.

قوة لم تُهزم.. لكنها انسحبت

قسد وُلدت في قلب الحرب على الإرهاب، بوصفها قوة أُنيط بها دور محدد هو دحر تنظيم داعش، وضبط جغرافيا واسعة في شمال وشرق سوريا، بأقل كلفة ممكنة على القوى الدولية المنخرطة في الصراع. وقد أدّت هذا الدور بكفاءة عالية، وبثمن بشري وسياسي دفعه مقاتلوها ومجتمعاتها المحلية، لا من استخدمها كأداة.

 

لكن اللحظة التي بدأ فيها خطر داعش بالتراجع، لم تكن لحظة انتصار نهائي، بل بداية تحوّل عميق في النظرة إلى قسد نفسها. فالقوة التي تُنجز مهمتها العسكرية، وتبدأ في التفكير بما بعد المعركة، تتحول -في الحسابات الدولية- من أداة نافعة إلى سؤال مزعج.

من أداة حرب إلى عبء سياسي

"قسد" لم تكتفِ بالسلاح.. حاولت، ولو بحذر، أن تطرح نفسها كفاعل سياسي محلي، وأن تؤسس لإدارة مدنية، ولشكل من أشكال العقد الاجتماعي، في بيئة أنهكتها الحرب وانسحبت منها الدولة المركزية.
 

هنا لم تعد مجرد قوة أمنية، بل مشروعًا ناقصًا لدولة محتملة، أو على الأقل لنموذج حكم مختلف.. وهنا بدأت المشكلة. ففي منطقة اعتادت القوى الدولية أن ترى فيها الفاعلين المحليين أدوات مؤقتة لا شركاء، يصبح أي تفكير في السياسة تجاوزًا غير مرغوب فيه للدور المرسوم.

النموذج الذي لا يُراد له أن يستمر

ضمن هذا المسار، برز الدور النوعي لوحدات حماية المرأة، ليس فقط بوصفها قوة قتالية فعالة، بل كنموذج اجتماعي وسياسي يناقض البنية العميقة للمشاريع الجهادية، ويصطدم حتى بحساسيات إقليمية راسخة.

نساء في مواقع القيادة والقتال والإدارة، لا كاستثناء رمزي، بل كجزء بنيوي من التجربة. هذا النموذج لم يكن مستفزًا لداعش وحده، بل لكل مشروع يريد سوريا بلا مجتمع حديث، وبلا سؤال مواطنة، وبلا عقد اجتماعي.

لماذا لم تُقاتل قسد؟

السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: لماذا لم تُقاتل قوات سوريا الديمقراطية "قسد" حين تمددت قوى أخرى؟ الجواب لا يكمن في نقص القوة، بل في فائض الالتزام.
"قسد" كانت من أكثر القوى التزامًا بتفاهماتها مع التحالف الدولي، الذي لم يكن تحالفًا استراتيجيًا طويل الأمد، بل شراكة وظيفية مرتبطة بهدف واحد: القضاء على تنظيم داعش.

وحين اقترب هذا الهدف من نهايته، تغيّرت الأولويات. بدأ الحديث عن الانتقال المنظم، ومنع الصدام، وتسويات الواقع، وهي مفردات تبدو في ظاهرها عقلانية، لكنها غالبًا ما تُستخدم لتبرير سحب الغطاء عن قوى أُنجز دورها، أو تجاوزت السقف المرسوم لها.

العشائر والتفاهمات الصامتة

في المناطق ذات الغالبية العشائرية العربية، لم يكن التحدي أمنيًا فقط، بل اجتماعيًا وسياسيًا بامتياز.
جزء من هذه العشائر، تحت ضغط تبدّل موازين القوة، والتفاهمات الإقليمية غير المعلنة، انقلب على الإدارة الذاتية، وانحاز إلى قوى صاعدة، لا بدافع قناعة أيديولوجية بالضرورة، بل كرهان على المنتصر الجديد.

هذا التحول الداخلي، المتقاطع مع تفاهمات دولية صامتة، جعل الاحتفاظ بهذه المناطق مكلفًا سياسيًا وعسكريًا، ودفع قسد إلى إعادة التموضع في مناطق الغالبية الكردية، ضمن اتفاق دولي له امتداداته المحلية.

القنبلة التي أُبعدت عنها "قسد"

الأخطر أن القوة التي جرى تحييدها كانت تمسك بأحد أخطر الملفات في سوريا: ملف معتقلي عناصر الدولة الاسلامية في العراق وسوريا "داعش" وعائلاتهم. آلاف المقاتلين السابقين، وعشرات الآلاف من النساء والأطفال، في ملف لا يُدار بالسلاح وحده، بل بالقضاء، وإعادة التأهيل، وبناء أفق اجتماعي جديد.

تحييد "قسد" عن هذا الملف لا يعني حلّه، بل تعليقه على حافة المجهول. والمجهول، في مثل هذه الحالات، غالبًا ما يكون اسمه: إعادة إنتاج التطرف.

الهزيمة التي لا تُقاس بالمعارك

في العمق، لم تكن المشكلة أن قسد قوية، بل أنها حاولت أن تكون أكثر من مجرد قوة. وحين تحاول قوة مسلّحة، في هذا الشرق المضطرب، أن تنتقل من وظيفة السلاح إلى سؤال السياسة، تتحول من أداة إلى عبء، ومن العبء إلى هدف للتحييد.

قسد لم تُهزم عسكريًا، لكنها مُنعت من تحويل انتصارها العسكري إلى مشروع سياسي.. وهذه، في الشرق الأوسط، هي الهزيمة الحقيقية.

ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار الـ 24 ساعة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري لـ أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية.

تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــــــنا

تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هــــــــــــنا

تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هــــــــــنا

تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هــــــــنا

الجريدة الرسمية