الدولة حين تُستبدَل بالخرائط
سوريا بين التفكك المدار والتقسيم غير المعلن
لم تعد سوريا، بعد أكثر من خمسة عشر عامًا من الحرب والانهيار، مجرّد ساحة صراع داخلي، بل تحوّلت إلى مختبر إقليمي ودولي لإعادة تعريف معنى الدولة في الشرق الأوسط. لم يعد السؤال: من يحكم دمشق؟ بل: هل ما يزال هناك ما يُسمّى دولة يمكن أن تُحكم أصلًا؟ أم أننا أمام كيان تُدار جغرافيته بمنطق النفوذ، وتُدار مجتمعاته بمنطق الأمن، ويُدار مستقبله بمنطق الخارج؟
منذ سقوط النظام في ديسمبر 2024، لم تدخل سوريا مرحلة انتقالية بالمعنى السياسي، بل دخلت فراغًا سياديًا كاملًا. سقط المركز، ولم يُستبدل بعقد اجتماعي جديد، بل بشبكة من السلطات الجزئية: سلطة انتقالية بلا احتكار للعنف، فصائل بلا دولة، رعاة إقليميون بلا مسؤولية، وقوى دولية بلا مشروع سياسي جامع.. وهنا يبدأ التفكك، لا كحدث طارئ، بل كمسار مُمنهج.
كيف تُعاد صياغة سوريا خارج السوريين؟
ما يجري في سوريا اليوم لا يُدار في دمشق، بل بين واشنطن وأنقرة وتل أبيب.
في واشنطن تُدار سوريا كملف احتواء أمني وإدارة مخاطر، لا كمسألة سيادة أو ديمقراطية.
في أنقرة تُدار بوصفها امتدادًا لمعضلة كردية تاريخية، ومجال نفوذ جنوبًا يعوّض خسائر تركيا شرقًا وغربًا.
أما في تل أبيب، فتُدار سوريا كساحة استنزاف دائم تُبقي المشرق مُنهكًا، ومحيط إسرائيل هشًا، والدولة المركزية في دمشق غائبة أو ضعيفة.
في هذا المثلث، لا تُصاغ سياسة لبناء الدولة السورية، بل ترتيبات لإدارة غيابها: مناطق نفوذ بدل السيادة، توازن فصائل بدل المؤسسات، وهويات طائفية وإثنية بدل المواطنة.
هنا يصبح ما وصفته الكاتبة الإسبانية لوس غوميز بـ"نظام المِلَل" توصيفًا سياسيًا دقيقًا: جماعات تُدار لا كمواطنين في دولة واحدة، بل كـ"مكوّنات" تُوزَّع عليها الحماية، ويُعاد تنظيمها ضمن خرائط أمنية مرنة، تُذكّر بالمنطق العثماني في إدارة التعدديات، لكن بأدوات القرن الحادي والعشرين.
وحين يُترجم هذا المنطق إلى وقائع ملموسة -قتل على الهوية في الساحل، قمع دموي في الجنوب الدرزي، وتهجير صامت للكرد من أحياء حلب- فإننا لا نكون أمام انفلات أمني، بل أمام سياسة أمر واقع تُنتج تقسيمًا بلا إعلان، وتفككًا بلا خرائط رسمية، لكنه أعمق وأخطر من أي مشروع تقسيم مكتوب.
الأقليات بوصفها مرآة التفكك
لا تكشف أوضاع الأقليات في سوريا عن مشكلة أقليات، بل عن مشكلة دولة. فالدولة التي لا تستطيع حماية أضعف مواطنيها، لا تستطيع حماية وحدتها. ما يجري للعلويين والدروز والكرد ليس استثناءً، بل القاعدة في لحظة غياب العقد الاجتماعي.
هنا يتحوّل التهجير من نتيجة عنف إلى أداة لإعادة هندسة الجغرافيا البشرية، ليس بالضرورة عبر قرار مركزي، بل عبر تراكم الخوف، وانعدام الحماية، وغياب الضمانات، حتى يصبح الرحيل هو الخيار العقلاني الوحيد.
الدولة، العنف، والشرعية: تفكيك نظري
لفهم هذا المشهد، يصبح استدعاء النظرية ضرورة لا ترفًا:
- حنّة أرندت تميّز بين القوة والعنف: القوة تنبع من الفعل السياسي المشترك، أما العنف فهو علامة على انهياره. في سوريا، يتمدّد العنف لأن القدرة على الفعل المشترك انهارت.
- تشارلز تيلي يرى أن الدولة هي ما تحتكر العنف وتحوّله إلى شرعية؛ وحين تفقد هذا الاحتكار، تفقد كونها دولة.
- ميشيل فوكو يعلّمنا أن السلطة الحديثة لا تعمل فقط بالقمع، بل بإدارة الحياة: من يبقى، من يرحل، من يُحمى، ومن يُترك بلا حماية. وهذا بالضبط ما يحدث اليوم.
- كارل شميت يذكّرنا أن السيادة تُعرَّف بمن يملك قرار الاستثناء، وفي سوريا لم يعد هذا القرار في يد الدولة، بل في يد الفصائل، والرعاة الإقليميين، والقوى الدولية.
هكذا، لا تنهار الدولة فقط، بل تنهار السياسة ذاتها.
من برنارد لويس إلى إدارة التفكك
منذ أطروحات برنارد لويس حول تفتيت الشرق الأوسط إلى وحدات أصغر وأكثر قابلية للإدارة، لم تتخلَّ الولايات المتحدة عن فكرة أن الاستقرار لا يُنتَج عبر دول قوية، بل عبر توازن هش بين كيانات أضعف.
اليوم، لا تسعى واشنطن إلى تقسيم سوريا رسميًا، لكنها تسعى بوضوح إلى إدارة تفككها: منع عودتها دولة قوية، منع خروجها من السيطرة، ومنع تشكّل مركز إقليمي مستقل. وهذا يتحقق لا بالتقسيم، بل بإدامة اللا-حسم.
العثمانية السياسية والمسألة الكردية
ترى تركيا في سوريا الجنوبية امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، وعمقًا استراتيجيًا جديدًا، ومجالًا لإعادة إنتاج نفوذ عثماني بصيغة حديثة.
المسألة الكردية هي المحرّك المركزي لهذا الدور: منع قيام كيان كردي متصل، حتى لو تطلّب ذلك تفكيك المجال السوري نفسه.
هنا يصبح التفكك وظيفة سياسية، لا فشلًا عارضًا.
من الأمن إلى تفكيك الدولة
لا تحتاج إسرائيل إلى تقسيم سوريا إلى دول؛ يكفيها ألّا تعود سوريا دولة. فالدولة السورية القوية تعني جبهة شمالية موحّدة، وعمقًا استراتيجيًا للمقاومة، وتوازنًا إقليميًا مرفوضًا إسرائيليًا.
هذا الفهم لم يعد حكرًا على التحليل العربي، بل بات مُعلَنًا في الخطاب الأكاديمي الغربي. فقد لخّص أستاذ الشؤون الدولية في كلية بوش، غريغوري غاوش، هذه المقاربة بوضوح حين قال في حوار مع (اندبندنت عربية) إن إسرائيل تريد سوريا دولة مجزأة وضعيفة بلا حكومة مركزية.
هذا التصريح لا يضيف معلومة جديدة بقدر ما يؤكّد الخلاصة: الهدف ليس رسم خرائط تقسيم جديدة، بل إجهاض فكرة الدولة ذاتها. فـ إسرائيل الكبرى ليست فقط مشروعًا جغرافيًا، بل شرطًا استراتيجيًا يقوم على محيط مفكك، ودول ضعيفة، ونزاعات داخلية دائمة، وحدود بلا سيادة مكتملة.
السلطة الانتقالية وحدود الممكن
في هذا السياق، تبدو السلطة الانتقالية أقل فاعلًا وأكثر وسيطًا: تُدير توازنات لا تخلقها، وتمنع الانهيار الكامل دون امتلاك أدوات البناء الحقيقي.. هي ليست مشروع تقسيم، لكنها أيضًا ليست مشروع دولة.
التقسيم كمسار تاريخي
التقسيم في القرن الحادي والعشرين لا يُعلَن، بل يُنتَج.. يُنتَج عبر تفكيك السيادة، تطييف المجتمع، تدويل الأمن، تأجيل السياسة، وإدامة الانتقال.
سوريا كسؤال مفتوح
سوريا اليوم ليست مجرد قضية سياسية، بل سؤال فلسفي مفتوح: هل ما تزال الدولة ممكنة في الشرق الأوسط؟ أم أننا ننتقل إلى عصر ما بعد الدولة، حيث تُستبدَل السياسة بالإدارة، والسيادة بالنفوذ، والمواطنة بالهوية؟ الجواب السوري لن يحدّد مصير سوريا وحدها، بل شكل الإقليم بأكمله.
ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار الـ 24 ساعة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري لـ أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية.
تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هــــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هــــــــنا
