ما وراء رسالة ترامب
لم تكن الرسالة التي بعث بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن استعداد الولايات المتحدة لاستئناف الوساطة في ملف سد النهضة الإثيوبي معزولة عن المشهد الإقليمي، الذي تلعب فيه القاهرة دورا مهما خلال العامين الماضيين، بل جاءت لتعكس محاولة لإعادة تموضع أمريكي في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها ملفات المياه، والأمن القومي وصراعات النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
الرسالة، التي أكدت رفض واشنطن وصول الخلاف بين مصر وإثيوبيا إلى مواجهة عسكرية، تحمل في ظاهرها لغة تهدئة، لكنها في جوهرها تنطوي على قدر كبير من التلاعب بالمصطلحات السياسية وتجاهل متعمد للثوابت المصرية التي أعلنتها القاهرة بوضوح على مدار أكثر من 14 عامًا.
منذ انطلاق أزمة سد النهضة، التزمت مصر بالمسار التفاوضي والدبلوماسي ولم تلوح يوما بخيار عسكري، رغم ما واجهته من تعنت إثيوبي ممنهج وإصرار على فرض الأمر الواقع دون اتفاق قانوني ملزم، ودون مراعاة للآثار الجسيمة على مصر والسودان، وآخرها ما شاهدناه من فيضانات اصطناعية مفتعلة ضربت دولتي المصب، بسبب التلاعب الإثيوبي المتعمد في هيدرولوجيا نهر النيل.
وعليه فإن الإشارة الأمريكية إلى تجنب المواجهة العسكرية لا تعكس واقع الموقف المصري، بقدر ما تستخدم كمدخل سياسي للضغط، أو لإعادة صياغة الأزمة في إطار مختلف عن حقيقتها الأساسية، وهي حق مصر التاريخي والقانوني في مياه النيل، والذي لا يمكن بأي حال من الأحوال الحديث عنه بصيغة النزاع على تقاسم جديد لمياه النيل الأزرق.
محاولة الترويج الأمريكي لمفهوم التقاسم المسؤول لمياه النيل بين الدول الثلاث، هو طرح يتناقض جذريا مع الموقف المصري الثابت، القائم على التمسك بحصتها التاريخية الثابتة والبالغة 55.5 مليار متر مكعب سنويا، وفقا للاتفاقيات الدولية المعترف بها.
هذا الطرح في جوهره، يعني استقطاع حصة مائية لصالح إثيوبيا من نصيب مصر والسودان، أو دعم غير مباشر لاتفاقية عنتيبي، التي ترفض مصر والسودان التوقيع عليها لإخلالها بمبادئ قانونية دولية مهمة، تتعلق بالحصص الثابتة لدولتي المصب من مياه النيل، في ظل تخمة مائية تعاني منها دول خوض النيل، وهو أمر ترفضه القاهرة جملةً وتفصيلا..
لا سيما في ظل ما تعانيه بالفعل من شح مائي حاد، جعلها تضطر إلى دفع فاتورة باهظة سنويا تقارب 20 مليار دولار تحت بند المياه الافتراضية، لتعويض ما لا تستطيع إنتاجه من الغذاء بسبب محدودية الموارد المائية التي تشهد عجزا يصل إلى أكثر من 20 مليار متر مكعب سنويا، وإنهيار نصيب الفرد من المياه إلى قرابة 500 متر مكعب سنويا وهو ما يضع مصر ضمن فئة البلاد التي تعاني من الندرة في الموارد المائية.
وفي نفس السياق لا يمكن قراءة الرسالة الأمريكية بمعزل عن المشهد الإقليمي المحيط بمصر، فالقاهرة تخوض في الوقت نفسه معارك دبلوماسية واستراتيجية على جبهات متعددة لحماية أمنها القومي، الذي يتعرض لضغوط استثنائية خلال الأعوام الأخيرة، وفي مقدمتها الملف السوداني..
حيث تتحرك القيادة المصرية في هذا الملف من منطلقات الواجب الوطني والمسئولية السياسية والتاريخية، باعتبار أن أمن السودان جزء لا يتجزأ من أمن مصر القومي من البوابة الجنوبية التي هي مفتاح نهر النيل وإفريقيا، تلك المساحة الجغرافية التي ارتبطت بها القاهرة بعلاقات ودية ومصالح تاريخية ممتدة، وظلت على الدوام حاضرة في وجدان كل مصري باعتبارها جزءا من عمق الأمن القومي والهوية المصرية.
أما ملف غزة فلا يمكن أيضا استبعاده عند الحديث عن الرسالة "الترامبية"، حيث تحملت القاهرة ضغوطا هائلة خلال العامين الماضيين لإجهاض مخطط التهجير القسري لأهالينا في غزة، والحفاظ على سيناء أرضا مصرية خالصة بعيدا عن أي ترتيبات إقليمية مشبوهة..
وعلى نفس الخط جاء الرفض المصري والعربي القاطع لمحاولات الاعتراف بما يسمى "دولة أرض الصومال"، كخطوة مهمة من القاهرة لرفض مخطط صهيوني مشبوه لحصار مصر والعرب عبر التحكم في مدخل مضيق باب المندب، الشريان الجنوبي لقناة السويس، وأحد أهم مسارات التجارة العالمية لنقل النفط العربي غربًا.
كما يرتبط ذلك بمحاولات أخرى لتفكيك اليمن وتحويله إلى منصة نفوذ غربي إسرائيلي تتحكم في الممرات المائية الاستراتيجية جنوب البحر الأحمر.
يبدو أن الدور المصري المتنامي دبلوماسيا واستراتيجيا، وسعيه لإجهاض مشاريع التقسيم ومنع محاولات خلق كيانات إقليمية هشة خاضعة للنفوذ الصهيوني والغربي، هو أحد الأسباب الرئيسية وراء هذه الرسائل الأمريكية الملتبسة في مضمونها وأغراضها.
خاصة وأن واشنطن تدرك جيدا أن القاهرة -قيادة ومؤسسات- ترفض أي مساس بأمنها المائي أو القومي، وترفض إعادة تعريف الأزمات بما يخدم مصالح أطراف أخرى على حساب استقرار المنطقة..
وبالتالي فإن رسالة ترامب لا يمكن اعتبارها مبادرة وساطة بريئة، بل جزء من محاولات الضغط السياسي الممنهج على مصر في لحظة إقليمية دقيقة، وهي تحمل في طياتها رسائل تعرف واشنطن مسبقا أن القاهرة ترفضها، لكنها تعكس في الوقت ذاته إدراكا أمريكيا لحجم الدور المصري وصعوبة تجاوزه أو القفز عليه في معادلات الإقليم الجديدة.
ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار الـ 24 ساعة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري لـ أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية.
تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هــــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هــــــــــنا
تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هــــــــنا





