رئيس التحرير
عصام كامل

ماذا ننتظر؟

أزعم أن مشكلة "سد النهضة" قد وصلت إلى مرحلة يصعب معها الاستمرار فى استخدام الدبلوماسية الهادئة، أو مواصلة مفاوضات غير مجدية، فى ظل مراوغات إثيوبية تهدف إلى الانتهاء من تشييد وملء السد، وفرضه كأمر واقع، والدخول مع مصر والسودان فى صراع قانونى طويل الأمد.


فلا أدرى ماذا ننتظر بعد 10 سنوات من اتباع سياسة النفس الطويل، فى ظل فشل زريع لمفاوضات لن تنتهى، ومماطلة إثيوبية، نجحت بملتقاها فى إنجاز 78.3% من إنشاءات السد حتى الآن، طبقا لما أعلنه "سيلشى بيكيلى" وزير المياه والري الإثيوبي؟

ولا أدرى ماذا ننتظر، بعد أن فشل الاتحاد الأفريقى فى الضغط على "أديس أبابا" ولم تتحرك المفاوضات تحت رعايته خلال عام كامل قيد أنملة، فى الوقت الذى وصل حجم الإنجاز فى الأعمال المدنية والهندسية بالسد إلى 91%؟

لماذا اللجوء لمجلس الأمن؟

ولا أدرى ماذا ننتظر، بعد أن تجاهلت أديس أبابا كل التحذيرات المصرية والسودانية، وأعلنت صراحة على لسان وزير ريها منذ أيام "أنها غير معنية بفشل الأطراف في التوصل إلى اتفاق، وستستمر فى بناء السد، وستبدأ في عملية الملء الثاني خلال الأشهر القليلة المقبلة".

ولا أدرى ماذا ننتظر بعد أن أصبح لدينا يقين أننا ندور فى حلقة مفرغة، وأنه لا أمل في التوصل إلى حل مع الجانب الإثيوبي، في الوقت نجحنا فيه فى إحاطة العالم بأثره علما بتجاوزات الإثيوبية، بعد أن أشركنا كلا من "الولايات المتحدة الأمريكية، والبنك الدولى" كأطراف محايدة و"شهود" خلال جولات التفاوض المختلفة، إلى جانب "جنوب أفريقيا" التى حضرت المفاوضات كمراقب خلال مراحل المفاوضات الأولى، ثم راعيا للمفاوضات بصفتها رئيسا للاتحاد الأفريقي.

ولا أدرى ماذا ننتظر بعد أحطنا "مجلس الأمن" مرتين فى العام الماضي، علما بالتجاوزات الإثيوبية، كانت الأولى من خلال "مذكرة" فى أبريل الماضى، ثم طورنا الموقف فى المرة الثانية إلى "شكوى رسمية" عقب تنصل أديس أبابا من التوقيع على الاتفاق الذى انتهت إليه مفاوضات "واشنطن" والتى قررت الهيئة الدولية بعدها بدأ المفاوضات من جديد تحت رعاية "الاتحاد الأفريقى"؟

ولا أدرى ماذا ننتظر، بعد أن فشلت المفاوضات تحت رعاية الاتحاد الأفريقى، فى الوقت الذى نحجنا فيه أيضا في "إبراء زمته" مصر أمام العالم، وإبراز الموقف المصرى الراغب في حل القضية بالطرق الدبلوماسية، وفضح الخطوات الأحادية التى تعتزم إثيوبيا القيام بها لفرض السد كأمر واقع، والدخول مع مصر والسودان فى صراع قانونى طويل الأمد، ينتهى فى أقصى حدوده إلى الخروج باتفاق يخص "سد النهضة" فقط، وتمكين "أديس أبابا" من البدء في بناء سدود جديدة على النيل الأزرق؟

ولا أدرى ماذا ننتظر، فى الوقت الذى تتنصل فيه "إثيوبيا" من كل الأحكام القانونية الصريحة الواردة في المعاهدات الدولية، والتى تصب جميعها فى الصالح المصرى، بل وتنص فى مجملها على عدم إقامة "أديس أبابا" أي مشروعات على "النيل الأزرق، ونهر السوباط، وبحيرة تانا" تضر بوصول المياه إلى مصر السودان، أو دون إبلاغ البلدين؟

"كارثة السد".. مصر تنتظر الإجابة؟

وجميعها حقوق واضحة وصريحة وردت فى "بروتوكول روما" الذى وقع فى عام ١٨٩١، ومعاهدة عام ١٩٠٢ التى وقعتها "إثيوبيا" وهى دولة "مستقلة" على عكس ما تدعيه من أن مصر تتمسك باتفاقيات تم توقيعها خلال "عهد الاستعمار" وأيضا "اتفاق التعاون" الذى وقعه الرئيس "مبارك" مع رئيس الوزراء الإثيوبى الأسبق "ميلس زيناوى" فى عام 1993 والذي نص بشكل صراحة على "عدم إضرار أى من البلدين بالأمن المائي للبلد الآخر".

خلاصة التجربة بعد 10 سنوات من المفاوضات الفاشلة تؤكد أننا قد تعاملنا مع "أديس أبابا" بكرم أخلاق، ودبلوماسية مفرطة، وأننا قد تأخرنا كثيرا فى اتخاذ خطوات حاسمة تجبر "إثيوبيا" على التوقيع على اتفاق ملزم يضمن الحقوق المائية لدولتى المصب، وأنها ماضية فى بناء وملء السد دون أدنى اعتبار للأضرار التى سوف تلحق بـ "مصر والسودان" وستستمر فى استخدام سياسة المراوغة إلى أن تفرض السد كأمر واقع، يصعب المساس به.

الواقع يقول، إنه لم يعد أمامنا سوى الانسحاب من "إعلان المبادئ" الذى تم توقيعة مع السودان وإثيوبيا فى مارس 2015 وجعل الخيارات مفتوحة أمام كل الاحتمالات، أو العودة فى خطوة دبلوماسية أخيرة إلى "مجلس الأمن" من جديد، لوضعه أمام مسئولياته فى "حماية الأمن والسلم الدوليين بالمنطقة" استنادا للدور الذى حدده له "ميثاق الأمم المتحدة" والذي يخول له بموجب بموجب أحكام الفصل السادس، امكانية إلزام "أديس أبابا" بوقف البناء وملء السد، وعدم اتخاذ أي إجراء أحادي، سوى بعد التوقيع على اتفاق قانونى شامل وملزم.. وبعد ذلك يكون لكل حدث حديث.. وكفى.
الجريدة الرسمية