رئيس التحرير
عصام كامل

أمة ترعى الأمم.. فماذا جرى لها؟!

18 حجم الخط

«كنا أمة ترعى الغنم، فجاء الإسلام فجعلنا أمة ترعى الأمم، فلما ابتعدنا عنه صرنا أغنامًا ترعانا الأمم». هذه  العبارة على قسوتها هي تلخيص لمفارقة موجعة: كيف انتقلت أمة من صناعة الحضارة إلى استهلاكها، ومن قيادة الأمم إلى البحث عن مكان بينها؟


لم تكن عظمة الإسلام في قوة ما فتح من أرض، بل في عظمة ما فتح من عقول وقلوب. فقد حمل إلى العالم رسالة جعلت العلم طريقًا للنهضة، والعدل أساسًا للحكم، والأخلاق عنوانًا للإيمان. وبالعلم الذي أنار العقول، والخلق الذي أسر القلوب، والعدل الذي أنصف الناس، صنعت الأمة حضارتها ومكانتها.

 

لقد كان العالم المسلم عالمًا يضيف إلى معرفة الإنسانية، والطبيب يداوي، والتاجر يصدق، والقاضي يعدل، والحاكم يدرك أن السلطة أمانة. ولم يكن غريبًا أن تدخل رسالة الإسلام قلوب شعوب بعيدة عن ميادين الفتوحات، عبر التجارة وحسن المعاملة والقدوة الصالحة.

 

أما اليوم، فأزمتنا أننا نتحدث كثيرًا عن عظمة الإسلام، ولا نجسد قيمه بالقدر الكافي. نفاخر بتاريخ علمائنا ولا نعطي العلم حقه، ونرفع رايات الأخلاق بينما نغض الطرف عن الغش والفساد وسوء المعاملة. نريد للعالم أن يحترم ديننا، دون أن نقدم له دائمًا نموذجًا يستحق الاحترام.

 

وفي المشهد الأمريكي الراهن دلالة تستحق التأمل؛ فقد وصل سبعة مسلمين إلى الكونجرس في انتخابات نوفمبر 2026، بينهم عضو في مجلس الشيوخ وستة في مجلس النواب. ولا يعني ذلك أن الناخبين اختاروهم بسبب دينهم، لكنه يكشف أن الكفاءة والثقة والمشاركة المجتمعية يمكن أن تفتح أبواب المسؤولية، بصرف النظر عن الانتماء الديني.

 

والأكثر دلالة أن بعض الغربيين تعرفوا إلى الإسلام من خلال مسلم صادق، أو جار أمين، أو زميل مخلص، فأعجبهم سلوكه، ودفعهم إلى البحث عن الدين الذي يستمد منه هذه القيم، وربما انتهى بهم البحث إلى اعتناقه.

 

وهنا جوهر الرسالة: كم من إنسان دعاه سلوك مسلم إلى الإسلام أكثر مما دعته عشرات الخطب والمحاضرات؟ وكم من مسلم أساء إلى دينه بسلوكه أكثر مما أساء إليه خصومه بأقوالهم؟

إننا لا نحتاج إلى أن نشرح للعالم عظمة الإسلام بقدر ما نحتاج إلى أن نكون الدليل الحي عليها؛ أن يكون الطبيب عنوانًا للرحمة، والتاجر للأمانة، والعالم للتواضع، والمسؤول للعدل، والمعلم للعلم والقدوة.

 

*لا تطلبوا من العالم أن يحترم الإسلام بسبب ما تقولونه عنه، بل اجعلوه يراه في ما تفعلونه؛ فالسلوك دعوة، والعلم حجة، والأخلاق أبلغ من ألف خطبة.
. يقول الله تعالى: «نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ». وهي آية تدعونا إلى مراجعة أنفسنا؛ فليست العبرة بكثرة ذكر الدين، وإنما بحضوره في قراراتنا ومعاملاتنا وأعمالنا.

إن استعادة مكانتنا لا تبدأ باستدعاء أمجاد الماضي، بل باستعادة العقل الذي ينتج، والخلق الذي يطمئن إليه الناس، والعدل الذي يحمي الضعيف، والعلم الذي يجعلنا شركاء في صناعة المستقبل.

فالإسلام لا ينتصر بكثرة من يتحدثون باسمه، وإنما بصدق من يجسدون قيمه. كونوا دعاة بأعمالكم قبل ألسنتكم؛ ليعرف العالم الإسلام منكم قبل أن يسمع عنه.. اللهم لا تجعلنا ممن نسوا الله فأنساهم أنفسهم، وردّنا إلى جوهر دينك علمًا وعملًا وخلقًا.

الجريدة الرسمية