رئيس التحرير
عصام كامل

المسؤول خادم المواطن.. وليس سيدًا عليه!

18 حجم الخط

حينما كنت مستشارًا إعلاميًا ومتحدثا رسميا لوزارة النقل كان د سعد الجيوشي، وزير النقل الأسبق، يحرص في كل اجتماعاته مع قيادات الوزارة على تذكيرهم دائمًا بأنهم خدام للمواطنين، وأن رواتبهم تُدفع من الضرائب التي يسددها الشعب، فالملابس التي يرتدونها، والسيارات التي يستقلونها، والمكاتب والكراسي التي يجلسون عليها، كلها من أموال المواطنين. 

ولذلك فهم مستأجرون لخدمة الشعب، ومن حق المواطن أن يستبدل بهم من هم أكثر قدرة وإخلاصًا في أداء هذه المهمة إذا تقاعسوا عن واجبهم.


وفي إحدى المرات، أخبرني بأنه يفكر في عقد اجتماع لقيادات الوزارة داخل المقابر! فسألته بدهشة: كيف ولماذا؟ فأجابني بأنه يريد أن يذكرهم بحقيقة الدنيا ونهايتها، وأن المناصب مهما طالت لن تمنع أحدًا من أن يعود إلى التراب، وأن من يستحضر هذه الحقيقة سيحسب ألف حساب قبل أن يعتدي على المال العام أو يخلط الحلال بالحرام.


هاتان رسالتان لو استوعبهما كل مسؤول، مهما كان موقعه، لتغيرت أحوالنا كثيرًا: أن المسؤول خادم للمواطن وليس سيدًا عليه، وأن المنصب مسؤولية مؤقتة سيُحاسب الإنسان عنها أمام الله.


المادة الرابعة من الدستور المصرى تنص على أن السيادة للشعب باعتباره مصدر السلطات، فالسيادة للمواطن وليست للمسئول، ولذلك إرضاء المواطنين، وتيسير حياتهم، وتخفيف معاناتهم، هي فلسفة وجود الحكومات وأساس العمل العام. 

لكن معظم المسؤولين يتعبرون أنفسهم الأسياد والمواطنين عبيد لديهم ويتعاملون مع المناصب باعتبارها تشريفًا ومكافأة ومصدرًا للامتيازات، وليس تكليفًا لخدمة الناس، وكأن الكرسي وُجد للاستمتاع بمميزاته لا لتحمل أعبائه.


واستغربت كثيرًا من مسؤول وصل به الأمر إلى إغلاق المنطقة المؤدية إلى مكتبه بالريموت كنترول، لمنع المواطنين من الوصول إليه! وهو سلوك يناقض أبسط قواعد المسؤولية، ويتعارض مع توجه الدولة نحو التواصل مع المواطنين والاستماع إلى شكواهم.


المسؤول الوطني النظيف لا يتأخر عن قضاء حوائج الناس، ولا يتخذ اللوائح والقوانين ذريعة لتعطيل مصالحهم، بينما تجد بعض أصحاب المصالح يرفعون شعار الالتزام بالقانون عندما يتعلق الأمر بحقوق المواطنين، ثم يتجاوزونه عندما تكون هناك رشوة أو منفعة شخصية!


إن خدمة المواطنين واجب وشرف، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي نعيشها، وكثير من مشكلات الناس يمكن حلها بمجرد أن يتفاعل معها المسؤول ويشعر بمعاناتهم. والتحية واجبة لكل مسؤول يفتح بابه للمواطنين ويسعى إلى رفع الظلم عنهم وتخفيف آلامهم.

رسالة أخيرة لكل مسؤول: تذكّر أنك تتقاضى راتبك من أموال سيادة المواطن "الشعب" وأن الكرسي الذي تجلس عليه ليس ملكًا لك، بل أمانة في عنقك. ستترك المنصب يومًا، ولن يبقى لك إلا ما قدمت من عمل. فاختر أن تكون خادمًا للناس، لا سيدًا عليهم، واتقِ الله في الوطن والمواطن.

الجريدة الرسمية