إعلاميون خارج المشهد!
حين تعقد وزارة الدولة للإعلام لقاءً موسعًا مع نحو 70 من المؤثرين وصناع المحتوى، يتجاوز إجمالي متابعيهم، وفقًا للبيان الرسمي، 500 مليون متابع على منصات التواصل الاجتماعي، وتبحث معهم سبل الدعم والتدريب وتوفير المعلومات وإنشاء مظلة مهنية تنظم عملهم، فإن الأمر يستحق التوقف، ليس اعتراضًا على الاعتراف بقوة الإعلام الرقمي، وإنما تساؤلًا عن واقع الإعلام المصري الذي جعل المؤثرين يتقدمون إلى صدارة المشهد، بينما تراجع حضور كثير من مؤسساته وإعلامييه.
السؤال ليس: لماذا أصبح صانع المحتوى مؤثرًا؟ بل: لماذا ترك الجمهور الإعلام التقليدي وذهب إليه؟ هل لأن المؤثر أقرب إلى الناس، وأكثر قدرة على التعبير عن مشكلاتهم بلغة يفهمونها؟ أم لأن الإعلام التقليدي فقد جزءًا من حيويته، وانشغل أحيانًا بنقل البيانات أكثر من مناقشة القضايا، وبعرض الروايات الرسمية أكثر من البحث عن الأسئلة التي تشغل الشارع؟ وهل أصبح الجمهور يبحث عن مساحة أوسع للحوار والاختلاف، فلم يجدها بالقدر الكافي في المنابر التقليدية؟
كيف أصبح فرد يمتلك هاتفًا وكاميرا قادرًا أحيانًا على جذب جمهور أكبر مما تجذبه مؤسسات تمتلك استديوهات وميزانيات وفرق عمل متخصصة؟ وهل المشكلة في الوسيلة أم في الرسالة؟ في الشاشة أم فيمن يقف خلفها؟ وهل أصبح عدد المتابعين معيارًا للقوة الإعلامية، أم أن الأهم هو القدرة على كسب ثقة الجمهور؟
وهنا يبرز ملف لا يقل أهمية، وهو قانون حرية تداول المعلومات. فكيف نطالب الإعلاميين وصناع المحتوى بالالتزام بالحقائق، بينما لا يزال هذا الاستحقاق الدستوري مؤجلًا منذ دستور 2014؟ وأين أصبح مشروع القانون الذي تتحدث الحكومة عن إعداده؟ ولماذا لم يرَ النور حتى الآن؟ وكيف يمكن بناء إعلام مهني قادر على التحقق والمساءلة، إذا ظلت المعلومات حبيسة الأدراج، وأصبح الحصول عليها مرهونًا باجتهادات العلاقات الشخصية أو الاستجابة الانتقائية للمسؤولين؟
إن إتاحة المعلومات ليست امتيازًا تمنحه جهة رسمية لهذا الإعلامي أو ذاك، وإنما حق للمواطن، وضمانة لصحافة جادة، وأساس لمواجهة الشائعات والمعلومات المضللة.
وهذه الأسئلة تفتح ملفًا آخر: ماذا تفعل كليات الإعلام في مصر؟ وأين خريجوها؟ ولماذا نتوسع في إنشاء كليات وأقسام جديدة، بينما لا نملك تصورًا واضحًا لاحتياجات سوق العمل وقدرته على استيعاب خريجيها؟ وهل تواكب المناهج التحولات الرقمية، أم ما زالت تخرج كوادر لسوق إعلامية تغيرت قواعدها دون أن تتغير أدوات إعدادها بالقدر الكافي؟
وإذا كانت الدولة تتجه إلى تدريب صناع المحتوى وتوفير مصادر المعلومات وأدوات الإنتاج لهم، فلماذا لا يحظى خريجو الإعلام بالاهتمام نفسه؟ ولماذا لا يكونون في مقدمة المستفيدين من هذه المبادرات، بدلًا من أن يبدو المشهد وكأننا نبحث عن كوادر إعلامية خارج المؤسسات التعليمية التي أنشئت لإعدادها؟
لا ينبغي أن نضع الإعلاميين في مواجهة صناع المحتوى؛ فبين الطرفين مساحة واسعة للتكامل، لكن لا يجوز أيضًا اختزال الإعلام في أرقام المتابعين والمشاهدات. فالتأثير الحقيقي لا يقاس بالانتشار وحده، وإنما بالمصداقية والقدرة على التحقق والتحليل وتشكيل الوعي.
إن دعم المؤثرين خطوة تستحق التقدير، لكن إصلاح الإعلام المهني، وتطوير كليات الإعلام، وإصدار قانون حرية تداول المعلومات، واستعادة ثقة الجمهور، قضايا لا تقل عنها أهمية.
والسؤال الذي يستحق أن يكون في صدارة أي حوار حول مستقبل الإعلام المصري: هل نريد أن نضيف صناع محتوى جددًا إلى المشهد، أم نريد أن نفهم أولًا لماذا فقد الإعلام القائم جمهوره؟ وهل نحتاج إلى صناعة مؤثرين أكثر، أم إلى إعلام يستعيد قدرته على التأثير؟
فالمنافسة الحقيقية ليست بين من يحمل شهادة إعلام ومن يحمل هاتفًا ذكيًا، وإنما بين إعلام يستطيع أن يكسب ثقة الناس، وآخر يتركهم يبحثون عنها في مكان آخر.
