حوار الطرشان.. لماذا قبل بدراوي؟
ما الذي يمكن أن يستفيده المشاهد من حوار يدخل فيه الضيف ليتحدث بالسياسة، بينما ينشغل المحاور بمجادلته ومقاطعته، وكأن الهدف ليس فهم الفكرة أو اختبار حجتها، وإنما دفع صاحبها إلى الدفاع عن نفسه طوال الوقت؟
هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه بعد حوار الدكتور حسام بدراوي مع أحمد موسى، والذي تناوله الدكتور حسن علي، أستاذ الإعلام، على صفحته، مشيرًا إلى صبر الضيف ووضوحه، في مواجهة ما وصفه بالغلوشة، معتبرًا أن الحوار قد يمثل خطوة نحو توسيع مساحة الاختلاف وإتاحة الفرصة لآراء لم يكن ظهورها على الشاشة أمرًا معتادًا.
لكن، بعيدًا عن دلالة إتاحة الحوار، يبقى السؤال الأهم: هل يكفي أن يُسمح للرأي المختلف بالظهور حتى نعتبر ذلك انتصارًا لحرية التعبير، أم أن الحرية تقتضي أيضًا أن يُمنح هذا الرأي فرصته كاملة في العرض والمناقشة، وأن يُواجه بالحجة لا بالمقاطعة، وبالأسئلة لا بمحاولات فرض الإجابة؟
كان بدراوي يتحدث عن الدستور وفلسفته وحدود تغييره، بينما بدا الحوار، في جانب منه، وكأنه جدل حول حق الشعب في تغيير الدستور، دون أن تتاح للمشاهد دائمًا فرصة كافية لفهم الفروق بين سلطة الشعب التأسيسية، والإجراءات الدستورية المنظمة لممارسة هذه السلطة. وهنا كان دور المحاور أن يستوضح، ويطلب التفسير، ويختبر الحجة، لا أن يتحول إلى طرف في جدال يزاحم فيه الضيف على مساحة الكلام.
فالمذيع ليس مطالبًا بموافقة ضيفه، ولا بأن يتخلى عن حقه في الاعتراض، لكنه مطالب بأن يدير الحوار بما يسمح للمشاهد أن يفهم وجهتي النظر، وأن يكوّن رأيه على أساس من المعلومات والحجج. أما حين تصبح المقاطعة هي القاعدة، والمجادلة هي الغاية، فإن الحوار يفقد جانبًا من قيمته، حتى لو ارتفعت حرارته وزادت مشاهداته.
ويبقى السؤال الذي يستحق التوقف أمامه: لماذا يقبل سياسي ومثقف مثل حسام بدراوي أن يدخل حوارًا تبدو فيه كفة إدارة النقاش راجحة على حساب فرصته في عرض أفكاره؟ هل راهن على أن مجرد الظهور يتيح له كسر الحواجز والوصول إلى جمهور أوسع؟ أم رأى أن الاحتكاك المباشر مع خطاب إعلامي مختلف فرصة لطرح أفكاره أمام المشاهدين؟ أم أن مساحة الاختلاف المتاحة، مهما شابها من قصور، أفضل من غيابها؟
لا نملك الجزم بدوافع الرجل، لكن من حقنا أن نسأل عن حصيلة التجربة: ماذا أضاف الحوار إلى معرفة المشاهد؟ هل خرج بصورة أوضح عن القضية الدستورية، أم انشغل بطريقة إدارة النقاش أكثر مما انشغل بجوهره؟
إن فتح النوافذ ضرورة لتخفيف الاحتقان، كما أشار الدكتور حسن علي، لكن فتحها لا يعني الاكتفاء بالسماح بدخول الهواء؛ بل يقتضي أيضًا ألا تتحول مساحة الحوار إلى ساحة يطغى فيها الصوت على الفكرة، والمقاطعة على الحجة.
فحرية التعبير ليست مجرد إتاحة الميكروفون، وإنما ضمان أن تصل الفكرة إلى الناس، وأن تجد من يناقشها بجدية واحترام، وأن يظل المشاهد هو المستفيد الأول من اختلاف الآراء، لا مجرد متفرج على سجال لا تنتهي فيه الأسئلة إلى إجابات.
هل كان حوار بدراوي بداية لتوسيع مساحة الاختلاف فعلًا، أم أن قيمة الخطوة ستظل مرهونة بما يليها من حوارات أكثر توازنًا ومهنية؟
