كنا على عتبة واحدة!
مصر وكوريا الجنوبية كانتا في ستينيات القرن الماضي تقفان على عتبة واحدة، ثم تمضي ستة عقود لتصبح كوريا قوة صناعية وتكنولوجية عالمية، بينما لا نزال نحن نبحث عن الطريق إلى نهضة صناعية مستدامة؟ في ذلك الوقت، كانت مصر تمتلك قاعدة صناعية طموحة، ومشروعًا وطنيًا يرفع شعار «من الإبرة إلى الصاروخ»، ويستهدف تصنيع كل شيء تقريبًا، من السيارات إلى المعدات والآلات.
أما كوريا الجنوبية، فكانت دولة خارجة من حرب مدمرة، تعاني الفقر ونقص الموارد. ولم تكن تملك ما يميزها عن مصر بقدر ما كانت تملك إرادة بناء مختلفة.
وبعد ستة عقود، اتسعت الفجوة بصورة مذهلة. أصبحت كوريا موطنًا لعمالقة السيارات والإلكترونيات وأشباه الموصلات، وامتلكت علامات تجارية تنافس العالم، بينما تعثرت تجارب صناعية مصرية كثيرة، وتراجع بعضها أو فقد القدرة على التطور والمنافسة.
فما الذي حدث؟ ولماذا نجحت كوريا بينما لم تستطع مصر استثمار بداياتها وإمكاناتها بالقدر نفسه؟ الإجابة ليست في الموارد وحدها، وإنما في اختلاف الرؤية وطريقة الإدارة والاستمرارية. أدركت كوريا مبكرًا أن الصناعة ليست مجرد مصانع تُقام، وإنما منظومة متكاملة تبدأ بالتعليم والبحث العلمي، وتمر بالتكنولوجيا والجودة، وتنتهي بمنتج قادر على المنافسة والتصدير.
ربطت دعم الدولة للشركات بتحقيق الإنتاج والتصدير، واستثمرت في التعليم الفني والهندسي، وانتقلت تدريجيًا من الصناعات البسيطة إلى الصناعات المتقدمة، ومن التجميع إلى امتلاك التكنولوجيا والعلامات التجارية.
أما نحن، فقد امتلكنا البدايات، لكننا لم نحافظ دائمًا على استمراريتها. تغيرت الأولويات، وتقطعت السياسات، وتضخمت البيروقراطية، واتسعت الفجوة بين التعليم واحتياجات الصناعة، وبين البحث العلمي والتطبيق. كما جذبت الأنشطة الريعية والاستهلاكية استثمارات وفرصًا كان الأولى أنط يتجه جانب أكبر منها إلى الإنتاج والتصنيع.
وهنا يكمن الفارق: كوريا تعاملت مع الصناعة باعتبارها مشروعًا ممتدًا لا يتوقف بتغير الحكومات، بينما عانينا في محطات كثيرة من إعادة البدء قبل استكمال ما بدأناه.
ولا تقل أهمية عن ذلك مسألة إدارة الموارد والديون. فالدين ليس فشلًا في ذاته، كما أن الاستثمار الخارجي ليس نجاحًا تلقائيًا؛ الفيصل هو العائد. وعندما يبلغ الدين الخارجي المصري نحو 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو 2025، يصبح من الضروري أن نسأل: ما القيمة الإنتاجية والتصديرية التي تحققت مقابل هذه الالتزامات؟ وكيف نضمن أن يتحول التمويل إلى أصول منتجة، لا أعباء تتوارثها الأجيال؟ وفي المقابل، فإن امتلاك كوريا شركات عالمية واستثمارات خارج حدودها هو نتيجة لبناء قاعدة إنتاجية وتكنولوجية قوية، وليس مجرد رقم يقارن برصيد ديون دولة أخرى.
فماذا نحتاج لكي نلحق بركب التقدم؟
نحتاج أولًا إلى مشروع صناعي وطني مستقر، يحدد أولوياتنا وقطاعاتنا الواعدة، ويمنح الصناعة المحلية بيئة تنافسية حقيقية. ونحتاج إلى الانتقال من التجميع إلى توطين الخامات ومكونات الإنتاج والتكنولوجيا، وربط التعليم الفني والجامعي بالمصانع، وتحويل البحث العلمي إلى منتجات، لا مجرد دراسات محفوظة في الأدراج.
ونحتاج كذلك إلى مناخ استثمار واضح ومستقر، وقواعد عادلة للمنافسة، وتبسيط الإجراءات، وتوجيه الاقتراض إلى مشروعات تحقق عائدًا إنتاجيًا وتصديريًا، مع محاسبة دقيقة على النتائج، لا الاكتفاء بحساب حجم الإنفاق أو عدد المشروعات التي جرى افتتاحها.
لكن الأهم من كل ذلك هو الاستمرارية؛ فلا يمكن أن نبني اقتصادًا قويًا بخطط تتغير مع الأشخاص، أو بسياسات تبدأ كل مرة من نقطة الصفر. فالتنمية مشروع أجيال، وليست إنجازًا مؤقتًا لحكومة أو مسؤول.
إن كوريا لم تتقدم لأنها تملك شعبًا أفضل، وإنما لأنها نجحت في تحويل قدرات شعبها إلى منظومة إنتاج ومعرفة وتصدير، وظلت تطورها لعقود. ومصر ليست أقل قدرة أو إمكانات، لكنها تحتاج إلى مراجعة صريحة لتجربتها، وشجاعة في تصحيح المسار، وانتقال حقيقي من اقتصاد إدارة الأزمات إلى اقتصاد صناعة القيمة المضافة.
لقد بدأنا معًا تقريبًا، لكننا لم نواصل الطريق بالمنهج نفسه. ولا يجوز أن نقضي العقود المقبلة في استعادة حكاية البدايات والتحسر على ما فات.. السؤال الذي يستحق أن نواجه به أنفسنا: هل نملك الإرادة لتغيير طريقة التفكير والإدارة، أم نظل نمتلك أحلامًا أكبر من قدرتنا على تحويلها إلى واقع؟
