رئيس التحرير
عصام كامل

طوفان الصناديق

18 حجم الخط

لم تكن نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية مجرد خسارة انتخابية للحزب الجمهوري، بل كشفت عن تحول سياسي وضع الرئيس دونالد ترامب أمام واقع جديد؛ فقد حزبه السيطرة على مجلسي الكونجرس، ليصبح رئيسًا يحتفظ بمنصبه وصلاحياته، لكنه يواجه برلمانًا معارضًا يستطيع تعطيل أجندته، وفتح ملفات إدارته، وممارسة رقابة واسعة عليها. وهنا ينطبق عليه وصف «البطة العرجاء»: رئيس بلا أغلبية برلمانية تسنده.

لكن الدلالة الأهم لم تكن في خسارة ترامب وحدها، وإنما في صعود وجوه عربية وإسلامية إلى مواقع صناعة القرار، وفي مقدمتهم المصريان آدم حماوي، الفائز بمقعد في مجلس النواب، وعبد الرحمن «عبدول» السيد، الذي وصل إلى مجلس الشيوخ، فضلًا عن احتفاظ رشيدة طليب وإلهان عمر بمقعديهما.

إنها دلالة تتجاوز أسماء الفائزين وأصولهم؛ فالعرب والمسلمون في أمريكا لم يعودوا مجرد جاليات تبحث عن الاعتراف، أو أصوات انتخابية تتنافس الأحزاب على استمالتها، بل أصبحوا جزءًا من المعادلة السياسية، قادرين على المنافسة والتأثير وطرح قضاياهم من داخل مؤسسات صنع القرار.

وهنا تبرز تجربة آدم حموي، الطبيب المصري الذي شارك في علاج المصابين في غزة، ثم انتقل من مواجهة آثار الحرب إنسانيًا إلى خوض معركة سياسية حول السياسات التي تحكمها. وكأن القضية الفلسطينية بدأت تجد طريقها من ميادين الاحتجاج إلى صناديق الاقتراع.

فهل كانت هذه إحدى ثمار طوفان الأقصى؟ من المبالغة رد نتائج الانتخابات الأمريكية كلها إلى حرب غزة؛ فالاقتصاد وتكاليف المعيشة والسياسة الخارجية كانت عوامل حاضرة بقوة. لكن من الصعب إنكار أن المأساة الفلسطينية أحدثت تحولًا في قطاعات من الرأي العام الغربي، ووسعت دائرة مساءلة إسرائيل وسياسات الدعم الأمريكي لها.

لقد أعادت غزة القضية الفلسطينية إلى ضمير العالم، وعرّت التناقض بين شعارات حقوق الإنسان والمواقف السياسية، ودفعت أجيالًا جديدة إلى التعبير عن رفضها للحرب، حتى أصبحت فلسطين حاضرًا في الجامعات والبرلمانات والحملات الانتخابية.

والدرس لا يقتصر على أمريكا؛ فالتغيرات داخل المشهد السياسي الإسرائيلي، وصعود التمثيل العربي في الكنيست، يفتحان بدورهما نافذة للتأمل، دون أن يعني ذلك أن موازين القوة قد انقلبت بالفعل.

أما العبرة الأهم لنا نحن العرب والمسلمين، فهي أن التعاطف وحده لا يصنع نفوذًا، وأن عدالة القضية لا تكفي ما لم نمتلك أدوات الدفاع عنها.

علينا أن نحول هذا التحول في الوعي إلى عمل مؤسسي، ودبلوماسية فاعلة، وحضور إعلامي وحقوقي منظم، وأن ندعم الكفاءات العربية والإسلامية في مواقع التأثير، بعيدًا عن الحسابات الضيقة والانفعالات الموسمية.

لقد أثبتت غزة أن الشعوب ليست أسيرة الروايات الرسمية، وأن القوة العسكرية لا تضمن الانتصار في معركة الوعي. وربما كانت إحدى بركات طوفان الأقصى أن دماء الفلسطينيين أعادت فلسطين إلى ضمير العالم، وفتحت أبوابًا لم تكن متاحة من قبل.

ويبقى السؤال: هل نحسن استثمار هذا التحول، أم نكتفي بالاحتفاء بما يحدث في صناديق اقتراع الآخرين، بينما تظل قضايانا بلا مشروع عربي قادر على تحويل الحق إلى قوة والتعاطف إلى تأثير؟

فالتاريخ لا يكافئ أصحاب القضايا العادلة لمجرد عدالتها، وإنما يكافئ من يحسنون الدفاع عنها.
الانتخابات النزيهة الحقيقية تأتي بالكفاءات والمسار الديمقراطي هو الأقدر على الأخطاء هذا هو الدرس الأهم من الانتخابات الأمريكية!

الجريدة الرسمية