الشاشات بين صناعة الوعي وتصفية الحسابات!
الشاشة الفضائية أمانة عامة وملك للجمهور، وليست منصة خاصة لتصفية الحسابات أو الدفاع عن المواقف الشخصية. فالمؤسسات الإعلامية مطالبة بأن تضع قضايا الوطن والمجتمع في صدارة أولوياتها، وأن تحترم عقل المشاهد ووقته، لا أن تستنزفهما في الرد على مهاترات مواقع التواصل أو الدخول في سجالات شخصية لا تضيف معرفة ولا تخدم قضية.
ومن حق المذيع أن يرد على الإساءة، أو يلجأ إلى القانون، لكن بعيدًا عن استغلال منبر إعلامي يفترض أن يكون ملكًا لكل المشاهدين، لا ساحة لتصفية الخلافات أو مصادرة حق الجمهور في إعلام متزن وهادف.
وإذا تأملنا تجارب المؤسسات الإعلامية الكبرى في الدول المتقدمة، نجد أن جوهر رسالتها يقوم على الدقة والموضوعية والاستقلالية وخدمة المصلحة العامة، وفق معايير مهنية تحاول الفصل بين الرأي الشخصي والمسؤولية الإعلامية. ورغم ما تواجهه تلك التجارب من انتقادات، فإنها تظل تذكرنا بأن قيمة الإعلام تقاس بما يقدمه من معرفة، لا بما يثيره من ضجيج.
أما جانب من إعلامنا، فيحتاج إلى مراجعة جادة للأولويات؛ فقد اتسعت مساحة المشاحنات والإثارة على حساب قضايا التعليم والصحة والإنتاج والاقتصاد، وتراجعت فرص تقديم النماذج الناجحة التي يحتاج المجتمع إلى التعرف عليها والاقتداء بها.
أين المساحات التي تليق بطفلة مثل ميار عثمان، الفائزة بالمركز الأول في تحدي القراءة العربي؟ وأين الاهتمام بالشباب الذين يبتكرون، والباحثين الذين ينجزون، والمبدعين الذين يتحدون الظروف، والنماذج المصرية التي تثبت أن النجاح ممكن رغم التحديات؟
لقد دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى اكتشاف أكثر من صلاح في كل مجال، وهي دعوة ينبغي أن تتحول إلى مشروع إعلامي ومجتمعي، يبحث عن الموهوبين في المدارس والجامعات والقرى، ويقدمهم للناس باعتبارهم قدوات حقيقية للأجيال الجديدة. فميار ليست مجرد طفلة تستحق التكريم، وإنما نموذج ينبغي أن يفتح الباب لاكتشاف آلاف المواهب.
إن المجتمع لا يحتاج إلى إعلام يجيد رصد السلبيات وإثارة الخلافات فحسب، بل إلى إعلام يكشف الخلل ويبحث عن الحلول، ويناقش الاختلاف بموضوعية، ويمنح أصحاب العلم والابتكار والإنجاز المساحة التي يستحقونها.. نحن بحاجة إلى توازن يعيد الاعتبار للرسالة الإعلامية الأصيلة: أن يراقب الإعلام أداء المؤسسات، ويناقش قضايا الناس، ويكشف مواطن القصور، وفي الوقت نفسه يحتفي بالنجاح ويصنع القدوة ويغرس الأمل.
فهل نريد شاشة تستهلك وقت الناس في معارك الأشخاص، أم شاشة تبني وعيهم وتصنع قدوة لأبنائهم؟ إن أخطر ما يمكن أن يفعله الإعلام أن يجعل الضجيج بديلًا عن المعرفة، والخلاف بديلًا عن الحوار، والمشاهير بديلًا عن أصحاب الإنجاز. فالشاشة ليست ملكًا لمن يظهر عليها، وإنما أمانة لمن يشاهدها.
