رئيس التحرير
عصام كامل

من الإبرة للصاروخ.. حين امتلكت مصر إرادة الإنتاج!

18 حجم الخط

«كنا سنة 1952 بنستورد إبرة الخياطة، وبنستورد المسمار، وماكينة الخياطة، والعربية.. بنستورد كل حاجة، والنهاردة نستطيع أن نفخر أننا نصنع كل شيء من إبرة الخياطة إلى الصواريخ». بهذه الكلمات تحدث الرئيس جمال عبد الناصر في خطابه بمناسبة الذكرى العاشرة لثورة يوليو عام 1962، مستعرضًا ما حققته مصر من نهضة صناعية خلال عشر سنوات.


كان يتحدث عن مصر التي أصبحت تصنع اللواري والأتوبيسات والسفن والثلاجات والبوتاجازات والسيارات والدراجات والراديو والتليفزيون وماكينات الخياطة والورق والأسمدة والحديد والصلب والأدوية وعربات السكك الحديدية، فضلًا عن تصدير الغزل والمنسوجات والبترول وإطارات السيارات والأثاث المعدني والأسمنت والسكر والأغذية المحفوظة.


وكشف الخطاب عن تنفيذ 341 مشروعًا صناعيًا، مع وجود 637 مشروعًا آخر في انتظار الاكتمال، في مشهد يعكس حجم التحول الذي شهدته الصناعة المصرية آنذاك.


لم تكن الحكاية مجرد مصانع وخطوط إنتاج، بل كانت مشروعًا لبناء دولة منتجة، تؤمن بأن الصناعة هي طريق الاستقلال الاقتصادي، وأن الشعوب قادرة على صنع المعجزات إذا امتلكت الإرادة وأتيحت لها الفرصة. ولعل أكثر ما يستوقفني في هذا الخطاب قول عبد الناصر: «هذا الشعب المؤمن المناضل المكافح، صانع الحضارة وصانع التاريخ، إذا وجد الفرصة يستطيع أن يصنع المعجزات».


وبينما نستعيد هذه الكلمات اليوم، نتساءل: كيف انتقلنا من حلم تصنيع كل شيء إلى واقع نعتمد فيه على الاستيراد في كثير من احتياجاتنا، من الغذاء والطاقة إلى أبسط المنتجات اليومية؟


إن استعادة روح الإنتاج ليست مجرد حنين إلى الماضي، ولا تعني أن كل ما تحقق وقتها كان بلا تحديات، لكنها تعني الاستفادة من تجربة تؤكد أن التصنيع وبناء القدرات الوطنية خيار استراتيجي لا غنى عنه. فالصناعة ليست مجرد وسيلة لزيادة الصادرات، بل محرك للتنمية، وخلق فرص العمل، ومواجهة الفقر والبطالة، وتوطين التكنولوجيا، وتقليل الاعتماد على الخارج، وتعزيز استقلال القرار الاقتصادي.

أتمنى أن نرى مصر مجددًا دولة منتجة، تصنع احتياجاتها وتنافس بمنتجاتها في الأسواق العالمية، وأن نستعيد شعار «من الإبرة إلى الصاروخ» باعتباره هدفًا للمستقبل، لا مجرد ذكرى من الماضي. ونحن لدينا جميع المقومات لتحقيق ذلك من رجال صناعة وطنيين وأيدى عاملة رخيصة وأموال مكدسة في البنوك يجب تحويلها إلى مجالات الإنتاج بدلا من تجميدها في الخرسانات أيضا لدينا بنية أساسية أنفقت عليها الدولة أموالا طائلة معظمها قروض يجب استغلالها في التنمية التى تبنى اقتصادا قويا..

فالشعوب التي تُصنع لا تكتفي باستهلاك ما ينتجه الآخرون، بل تصنع مكانتها ومستقبل أجيالها. اللهم أحفظ مصر، ووفق أبناءها إلى ما فيه الخير والتقدم والازدهار.

الجريدة الرسمية