رئيس التحرير
عصام كامل

عبد الرحمن السيد.. وأسئلة السياسة

18 حجم الخط

كانت الفرحة كبيرة بوصول عبد الرحمن السيد، المصري الأصل، إلى مجلس الشيوخ الأمريكي، محققا إنجازا تاريخيا باعتباره أول مسلم ينتخب لعضوية هذا المجلس. لحظة تستحق الاحتفاء، ليس فقط لأصوله المصرية، وإنما لما تعكسه من انفتاح المجتمع الأمريكي على وصول أبناء المهاجرين إلى مواقع السلطة.

 

لكن سرعان ما تحولت الفرحة إلى أسئلة: من هو عبد الرحمن السيد؟ وما طبيعة أفكاره السياسية؟ وأين يقف من تجربة الإخوان وحكم الرئيس الراحل محمد مرسي؟

 

ولد السيناتور الجديد، البالغ من العمر 42 عاما، في ولاية ميشيجان لأبوين مصريين. درس بجامعة ميشيجان، وحصل على الدكتوراه من أكسفورد، ثم درس الطب بجامعة كولومبيا. وعمل في المجال الصحي، وتولى إدارة الصحة في ديترويت، قبل أن يخوض انتخابات الحزب الديمقراطي التمهيدية لمنصب حاكم ميشيجان عام 2018.. 

ثم يعود إلى المشهد السياسي محققا فوزا تاريخيا بمقعد مجلس الشيوخ في انتخابات نوفمبر 2026، رغم هجوم الرئيس دونالد ترامب عليه، وهزيمته منافسه الجمهوري مايك روجرز.

 

غير أن الجدل حوله لم يتوقف عند مؤهلاته ومسيرته، بل امتد إلى مواقفه القديمة من السياسة المصرية. ففي عام 2012، ظهر اسمه ضمن الموقعين على بيان أيد قرارات الرئيس الإخواني محمد مرسي، وطالب بتطهير مؤسسات الإعلام والشرطة من عناصر النظام السابق.

 

التوقيع يمثل موقفا سياسيا يستحق المناقشة، لكنه لا يثبت بمفرده انتماءه التنظيمي لجماعة الإخوان، وهو ما نفاه السيد. وبين الواقعة والتفسير مساحة لا ينبغي تجاهلها؛ فمن حق المصريين التساؤل عما إذا كانت قناعاته قد تغيرت، دون تحويل الشكوك إلى اتهامات غير مثبتة.

 

أما مواقفه الحالية، فيبرز بينها معارضته استمرار الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل، وانتقاد سياساتها في غزة، إلى جانب تبنيه أجندة تقدمية تركز على الرعاية الصحية الشاملة والعدالة الاجتماعية وفرض ضرائب أكبر على أصحاب الثروات.

 

وهنا تبدو المفارقة: رجل يحقق إنجازا تاريخيا للمسلمين في المؤسسة السياسية الأمريكية، لكنه يحمل مواقف سياسية تثير الجدل، وتتجاوز هويته الدينية إلى ملفات الاقتصاد والسياسة الخارجية والصراع في الشرق الأوسط.

 

أما محاولة استنتاج توجهاته من ديانة زوجته أو أصولها الهندية وارتدائها الحجاب، فلا تصلح معيارا للحكم عليه. فالسياسي يحاسب على أفكاره ومواقفه، لا على مظهر أسرته أو خلفيتها.

 

والسؤال الذي يهم مصر ليس فقط كيف وصل عبد الرحمن السيد إلى واشنطن، بل كيف ينظر إلى الدولة المصرية وتجربتها السياسية؟ وما موقفه من جماعات الإسلام السياسي؟ وهل لا تزال مواقفه امتدادا لقناعاته القديمة أم تغيرت بفعل تجربته السياسية؟

 

صحيح أن واشنطن تعاملت تاريخيا مع تيارات الإسلام السياسي وفقا لحسابات المصالح والنفوذ في الشرق الأوسط، لكن ذلك لا يجعل فوز سيناتور مسلم دليلا على وجود مشروع أمريكي لإعادة الإخوان إلى المشهد المصري. فمثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى أدلة، لا إلى افتراضات.

في النهاية، لا ينبغي أن نفرح بالاسم لمجرد أنه مصري ومسلم، ولا أن ندينه لمجرد اختلافه معنا سياسيا. الإنجاز الانتخابي حقيقة، والمواقف القديمة تستحق النقاش، والحكم على الرجل يجب أن يستند إلى ما يقوله ويفعله.

فمصر التي عاشت سنوات من الاستقطاب تحتاج إلى قراءة واعية للتجارب السياسية، بعيدا عن الانبهار بالأسماء أو الانسياق وراء الاتهامات. ففي السياسة، المواقف وحدها هي التي تكشف حقيقة الرجال.

الجريدة الرسمية