التعليم بين أعباء الأسر وحقوق المعلمين
التعليم ليس مجرد فصول دراسية ومناهج وامتحانات، بل هو قضية تمس كل بيت مصري، وترسم ملامح مستقبل جيل كامل. وفي قلب هذه القضية يقف ثلاثة أطراف: طالب يبحث عن المعرفة، وولي أمر يحاول توفير احتياجات أبنائه وسط أعباء معيشية متزايدة، ومعلم يحمل مسؤولية بناء العقول وتشكيل الوعي.
ومن هذا المنطلق، كان انتقادنا لبعض قرارات وزارة التعليم أمرا ضروريا، خاصة تلك القرارات التي زادت الضغوط على الطلاب وأسرهم، ولم تنجح في الحد من ظاهرة الدروس الخصوصية، بل أسهمت في تعميق أعبائها على كثير من البيوت المصرية.
فبدلا من أن تكون المدرسة الملاذ الأول للطالب، يجد كثير من أولياء الأمور أنفسهم مضطرين إلى البحث عن مصادر أخرى للتعليم، بما يفرضه ذلك من تكاليف إضافية تستنزف دخولهم، وتزيد من معاناتهم اليومية. وهنا يصبح من حقنا أن نتساءل: كيف نخفف الأعباء عن الأسرة المصرية، ونعيد للمدرسة دورها الحقيقي، ونضمن للطالب تعليما جيدا لا يتوقف على قدرة أسرته على الدفع؟
إن انتقاد هذه السياسات ليس تقليلا من جهود المسؤولين، ولا رفضا لكل ما تتخذه الوزارة من قرارات، وإنما هو دفاع عن حق الطلاب والأسر في منظومة تعليمية أكثر كفاءة وعدالة، تراعي ظروف الناس، وتستند إلى دراسة الواقع قبل إصدار القرارات.
لكن الإنصاف يقتضي ألا نكتفي برصد السلبيات، وألا نغض الطرف عن الخطوات الإيجابية التي تستحق التقدير. ومن هنا، فإن الحديث عن زيادة أجور المعلمين يمثل فرصة للتأكيد على أن تحسين أوضاعهم المادية خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، تستحق الإشادة والدعم.
فالمعلم هو حجر الأساس في العملية التعليمية، ولا يمكن الحديث عن تطوير حقيقي للتعليم من دون الاهتمام بأوضاعه المعيشية، وتوفير حياة كريمة له تتناسب مع حجم المسؤولية التي يتحملها. كيف نطالبه ببناء العقول، وصناعة الأجيال، وغرس القيم، بينما يظل منشغلا بتدبير احتياجات أسرته ومواجهة أعباء الحياة؟
إن تحسين دخل المعلم ليس مجرد مطلب فئوي، بل استثمار في مستقبل المجتمع كله. فكلما شعر المعلم بالتقدير والاستقرار، أصبح أكثر قدرة على أداء رسالته، وتقديم ما لديه من علم وخبرة لطلابه.
ومن هذا المنطلق، فإن إقرار زيادات في أجور المعلمين، تستهدف رفع الحد الأدنى لدخلهم إلى 15 ألف جنيه عبر مرحلتين في يوليو 2027 و2028، يمثل خطوة تستحق التقدير، مع أهمية متابعة تنفيذها والوفاء بما تتضمنه من مستهدفات.
ومع ذلك، فإن دعم المعلم لا ينبغي أن يأتي بمعزل عن بقية عناصر المنظومة التعليمية. فالمعلم يحتاج إلى دخل عادل، والطالب يحتاج إلى مدرسة تقدم له تعليما حقيقيا، وولي الأمر يحتاج إلى منظومة لا تضطره إلى إنفاق جانب كبير من دخله على الدروس الخصوصية.
وهنا تكمن المعادلة التي ينبغي أن تسعى الوزارة إلى تحقيقها: تحسين أوضاع المعلمين، وتخفيف الأعباء عن الأسر، وتطوير أداء المدارس، ومراجعة القرارات التي تزيد المشكلات بدلا من حلها.
إن الموقف المنصف لا يعرف المجاملة، كما لا يتخذ من النقد غاية في حد ذاته. فإذا أخطأت السياسات وجب التنبيه إلى أخطائها، وإذا جاءت القرارات منصفة وجب الإشادة بها. فالمعيار الحقيقي ليس من أصدر القرار، وإنما أثره في حياة الناس وقدرته على تحقيق المصلحة العامة.
ويبقى الأمل أن تتحول زيادة أجور المعلمين إلى بداية أوسع لإصلاح التعليم، لا خطوة منفردة في طريق طويل. إصلاح يعيد الثقة إلى المدرسة، ويمنح المعلم المكانة التي يستحقها، ويخفف عن الأسرة أعباءها، ويضمن للطالب فرصة عادلة في التعلم والنجاح.
فالتعليم الذي ننشده لا يكتمل بزيادة راتب المعلم وحدها، ولا بتغيير المناهج واللوائح وحده، وإنما بمنظومة متكاملة يشعر فيها الجميع بأن حقوقهم مصونة، وأن مستقبل أبنائهم ليس عبئا ماليا جديدا، بل أملا حقيقيا في حياة أفضل.
