رئيس التحرير
عصام كامل

ظاهرة إبراهيم العسال

18 حجم الخط

في زمن تتسارع فيه التحولات وتشتد فيه معارك الوعي، تبرز الحاجة الماسة إلى أصوات قادرة على قراءة التاريخ بنقدٍ ونضج، واستخلاص دروسه بأسلوب مبسط يربط الماضي بالحاضر ويرسم معالم المستقبل. وفي هذا السياق، يلفت الدكتور إبراهيم العسال الأنظار؛ بحضوره اللافت وقدرته الاستثنائية على تقديم التاريخ والآثار بعيدًا عن السرد الجاف، ممتلكًا مهارة التواصل الفعال مع مختلف الفئات.

 

لم يكن القبول السريع  للدكتور إبراهيم العسال وليد المصادفة؛ فهو أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية المتخصص في الآثار والفنون والمخطوطات. يحمل العسال درجتي دكتوراه، إحداهما من مصر والأخرى من جامعة قرطبة بإسبانيا، حيث عمل هناك باحثًا ومحاضرًا مهتمًا بتاريخ الأندلس والتراث الإسلامي في أوروبا.


عُرف العسال بمنهجه العلمي الصارم في نقد الروايات التاريخية الشائعة وتفكيك الأساطير الموروثة؛ إذ يرفع شعارًا منهجيًا يرى فيه أن المؤرخ «قاضٍ عادل وليس محاميًا متعصبًا»، داعيًا دومًا إلى تدقيق المصادر التاريخية وإخضاعها لمنهج "الجرح والتعديل" لبناء وعي وطني حقيقي.

 

شكّل ظهور الدكتور إبراهيم العسال في منتدى مصر 2026 بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي علامة فارقة في مسيرته؛ إذ قدم كلمة جامعة عن مصر، استحضرت عمق الشخصية المصرية وهويتها المركبة التي استوعبت الفرعونية، والمتوسطية، والأفريقية، واستظلت بالروح الإسلامية والمسيحية على حد سواء.


لقد أثبت العسال أن الهوية المصرية أكبر من أن تختزل في اتجاه محدد أو تخضع لمزايدات، مختتمًا كلمته بمقولة ابن خلدون: «إنما الماضي مرآة الحاضر، وبصنيع اليوم يكتب خبر الغد». ولم تكن أهمية هذا الحضور في التغني بأمجاد التراث فحسب، بل في إبراز قدرة العقل الأكاديمي الشاب على تمثيل وطنه بثقة، والتعبير عن أمنه القومي والحضاري بوعي نافذ.


إن النجاح اللافت لظاهرة إبراهيم العسال يضعنا أمام حقيقة مؤلمة يغفل عنها الكثيرون؛ وهي أن الجامعات والمراكز البحثية المصرية تزخر بآلاف المبدعين والعلماء الشباب في مختلف التخصصات، ممن يملكون فكرًا ينبض بالحيوية ورغبة صادقة في بناء الوطن.

غير أن المشكلة الكبرى تكمن في ابتعاد الأضواء عنهم؛ فالإعلام والجهات الحكومية على السواء كثيرًا ما يحصرون اهتمامهم في دوائر ضيقة ومكررة، بينما تظل آلاف الطاقات الشابة قابعة داخل أسوار الكليات والمختبرات دون أن تجد المساحة التي تستحقها للتأثير والتغيير.

ومن هنا فإن تجربة العسال يجب أن تسلط الضوء على ضرورة أن تلتفت الدولة والإعلام للجامعات للتنقيب عن هذه الكوادر وإبرازها، بدلًا من تركها للتهميش والنسيان.

الجريدة الرسمية