يوميات طيار مقاتل
على أطراف قاهرة المعز، وفي أحد الأحياء الجديدة التي تمددت هناك في قلب الصحراء على مقربة من طريق السويس، بعد أن أصبحت ملء السمع والبصر، طرقت باب البيت المتأنق الصغير، ملامح الدار الداخلية تشي أن صاحبها فنان، وأن كل لمسة فيها مساحة إنسانية تأخذك تفاصيلها.
على عتبات عمر مر على محطة السبعينيات، يبدو الرجل المتألق أكثر شبابا- حماه الله ومتعه بموفور العافية في بدنه وقلبه القافز فوق سنوات المنحة وواقع المحنة- على مقعد أثير، بدا بطل الحكاية مشرق الوجه، باسم الثغر، تروي تجاعيده النادرة، واحدة من صولات العزة وجولات التضحية.
إنه الطيار المقاتل الدكتور لواء حسن محمد حسن صاحب شارة العزيمة، وراية البطولة ونجمة سيناء التي تزين قلب متحف مفتوح، كجزء من سيرة عطرة تفوح منها روائح الشجاعة والقدرة والإرادة الإنسانية، إرادة أكتوبر العظيم.
بثقة الطيار المقاتل بدأ يروي لنا تفاصيل ما جرى في أيام خوال، كنا فيها ننتظر الولادة المتعسرة لثأر كان ينهش في صدر الأمة، ويأكل ما تبقى فيها من أحاسيس الفخار التاريخي التي مازلنا عند فواصلها التاريخية القديمة جدا.
كانت كاميرا الزميل المصور الفنان سيد حسن تجوب في المكان، دون أن تثبت، في حركة تعكس روح المصور الراغب في تسجيل كل التفاصيل، وكأنه يرغب في نقل الصورة الكاملة لجدران أصبحت جزءا من تاريخ صاحبها.
يذكر الطيار المقاتل حسن محمد حسن ذلك اليوم الذي انتظره مع رفاق، منهم من قضى شهيدا وبطلا خالدا، ومنهم من عاش ليروي الحكاية، حكاية الطلعة الجوية الأولى، حيث كان ضمن سرب مطار أبو حماد بالشرقية الذي حقق أهدافه كاملة غير منقوصة.
تتغير ملامح وجهه وهو يقص علينا كيف انتظر مع رفاقه ساعة الحسم، التي طالما عاشوها أحلاما من أجل الثأر لكرامة أمة، ظن كثيرون أنها ماتت ودفنت، ولم يعد لها وجود في التاريخ الإنساني بعد نكسة يونيه.
على جدران متحف أعده بنفسه في غرفة أعلى بيته، وضع سجل الفخار الشخصي الذي حققه في حرب السادس من أكتوبر، بعد أن شارك في جميع مراحل المعركة، بدءا من الطلعة الجوية الأولى وحتى وقف إطلاق النار.
شارك الطيار حسن محمد حسن في أربع اشتباكات جوية، و٥ طلعات هجومية، وحقق ٢٤ طلعة منذ بدء المعركة وحتى نهايتها وأكثر من ٢٢ ساعة طيران، وكان من أوائل من حصلوا على نجمة سيناء.
يروي الرجل بثبات وثقة في يوم الرابع عشر من أكتوبر أنه حقق ثلاث طلعات جوية منها واحدة في منطقة المنصورة اشتبك فيها مع العدو، وفي السابع عشر من أكتوبر حقق طلعتان إحداهما اشتباك مع ميراج للعدو بمنطقة المنزلة.
وفي الثامن عشر من أكتوبر حقق طلعتان إحداهما اشتباك مع ميراج بسيناء، تمكن من إسقاطها وبعدها بثلاثة أيام وفي الواحد والعشرين من أكتوبر استطاع خلال اشتباك بمنطقة الثغرة إسقاط طائرتي ميراج للعدو.
يتنهد وهو يغوص في الزمن البعيد، وكأن الأيام قد عادت به إلى هناك في الساحة البطولية المدهشة، ليدمر في طلعة جوية مركز الإعاقة والشوشرة لأم خشيب، ثم طلعة قصف فيها الموقع الحصين شرق بورفؤاد.
وتتوالى الحكايات وهو يعرج بنا على قصص شباب ضحوا بأنفسهم من أجل أن تبقى مصر عصية على الانكسار رافضة الهزيمة، موقنا بأن الإرادة المصرية لن تقهرها معركة لم تختبر فيها.
كان التكليف واضحا تدمير زورق الصواريخ "سعر" في طلعة جوية مباغتة حققها بطل القصة ورمز الحكاية، ليتلقى بعدها في اليوم التالي تكليفا بتدمير مدرعة إسرائيلية بسيناء، لينطلق ثم يعود بعد تحقيق الهدف.
تمضي بنا أيام النصر العظيم ليتلقى تكليفا بتدمير تجمعات داخل الثغرة في العشرين من أكتوبر، فيعود البطل بعد تحقيق أهدافه كاملة، يشير الطيار المقاتل إلى صورة رفيقة حياته وشريكة الدرب ورحيق المشوار، بينما تتساقط من عينيه دمعات وهو يقول: لم تخذلني يوما، وشاركتني كل المنح والمحن، فكانت أعظم منّة من الله.





