رئيس التحرير
عصام كامل

إياك والكذاب

18 حجم الخط

المسافة بين الأدباء والفلاسفة في تناول موضوع الكذب قد تتباعد إلى حد التناقض، فإذا كان الأدباء يرون أن الكذب هو نقيض الحقيقة، فإن الفلاسفة تعاملوا مع هذا الملف بعمق أكثر، حيث يرونه سلوكًا بشريًا وتقنية سياسية تمتد جذورها عبر التاريخ الإنساني.

 

وإذا كان الأدباء يرون أن أهم مخاطر الكذب تكمن في التحذير من الكذاب بأنه يقرب إليك البعيد ويبعد عنك القريب، فإن الفلاسفة، وعلى رأسهم الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، ينظرون إليه على أنه يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالقصدية ونية التضليل والخداع، ولا يمكن اعتباره يقع تحت بند حسن النية.

 

أفلاطون، في كتابه الجمهورية، يعرج إلى مفهوم الكذبة النبيلة لترسيخ مبادئ الاستقرار السياسي، وقد تبنى رأيه الفيلسوف العربي أبو النصر الفارابي في قراءته لنظريات الحكم، وقد ذهب فريق من الفلاسفة إلى القول بأن الكذب يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالقدرة على الفعل السياسي.

 

ويعرف العرب أشهر الكذابين، وهو مسيلمة الكذاب، الذي ظل يكذب ويكذب حتى لحظات ما قبل محاولة هروبه من جحيم الحصار المفروض عليه من قوات أبي بكر الصديق، ويعد عرقوب بن صخر أكذب أهل الأرض قبل مسيلمة، رغم شهرة مسيلمة الطاغية.

 

وفي العصر الحديث، وبعد ظهور الفضائيات، اشتهر وزير إعلام صدام حسين، محمد سعيد الصحاف، باعتباره واحدًا من الكذابين الكبار، حيث ظل يكذب ويعلن انتصارات قوات صدام على القوات الأمريكية حتى بعد ظهور قوات الطغيان الأمريكي تتجول في شوارع بغداد، بينما كان الصحاف يسير وسط شوارعها أيضًا، وتصحبه الكاميرات وهو يسأل: «أين العلوج؟»، نافيًا سقوط بغداد.

 

في السياسة، يعد الكذب فنًا وعلمًا ومنهجًا، به يمكنك خداع العدو أو الشعب، أو ترسيخ مفهوم السردية التي ترغب في تصديرها للجماهير، ويعد جوزيف جوبلز، مهندس الدعاية السياسية والإعلامية النازية، صاحب أشهر مقولة حول الكذب: «اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس»، ويضيف آخرون إلى ذلك: «اكذب ثم اكذب حتى تصدق نفسك»!

 

واعتمد جوبلز على فكرة الكذب الممنهج والتكرار من خلال رسائله الإذاعية واستخدام السينما في الترويج لأكاذيبه، قاصدًا أن تتحول تلك الأكاذيب إلى حقائق في أذهان العامة، وقد رأى في تكرار رسائل الكذب وسيلة لترسيخ ما يريد حول النازية وتصديرها للإيمان بها.

 

وإذا كان جوبلز قد رأى في التكرار وسيلة للنجاح، فإن دراسات حديثة صدرت من جامعة لندن تناولت التكرار وتأثيره على الشخص الذي يمارس الكذب، وأكدت أن التكرار المستمر للكذب يقلل من الاستجابة الشعورية والانفعالية أو الشعور بالذنب، مما يجعل الشخص مع الوقت يعتاد الكذب، وربما يقتنع هو شخصيًا به!

 

ويعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نموذجًا فريدًا في هذا الاتجاه، وواحدًا من هؤلاء الذين حيروا العالم شرقه وغربه بسبب تصريحاته التي يظن البعض أنها متضاربة، بينما أثبتت الوقائع المتتالية أنه ينتهج الكذب طريقًا ووسيلة لتضليل الرأي العام وتمرير الكثير من الأهداف الخبيثة.

 

والكذب، الذي يعد عادة اجتماعية مرفوضة، أصبح مادة فنية ثرية في الفن المصري، في البرنامج الإذاعي الأشهر «ساعة لقلبك» بين الدكتور شديد والخواجة بيجو، وقدم له نموذجًا مدهشًا الفنان محمد صبحي في «علي بيه مظهر»، وفي تراثنا الشعبي الكثير من النكات التي تجسد الكثير من ألوان الكذب.

ولعل أكثر أنواع الكذب تأثيرًا على الجماهير هي تلك التي تطلقها حكومات مصر المتتالية حول التنمية ووعود الرخاء التي نطالعها منذ قيام ثورة يوليو ولم تتوقف حتى تاريخه، وهي الوعود التي تناولها كبار الصحفيين وفنانو الكاريكاتير، وأشهرهم الثنائي أحمد رجب ومصطفى حسين في شخصية فلاح كفر الهنادوة!

الجريدة الرسمية