مكلمة منتدى مصر
بحضور أكثر من ثمانية آلاف مشارك في أكثر من تسع عشرة جلسة حوارية، وبحضور أكثر من مائة وخمسين صانع قرار من مختلف القطاعات التنموية، اختتم منتدى مصر 2026م جلساته، في محاولة حكومية للوصول إلى الجماهير العريضة والإجابة عن استفساراتهم حول ما جرى وما سيجري في بلادنا.
في الحفل الافتتاحي والجلسات الأولى، كان العنوان الأعرض حول بناء الإنسان، بداية من حلقة نقاشية حول ضبط الأسواق، ومائدة مستديرة تحت عنوان ماذا يتعلم أبناؤنا.. وهل يؤهلهم ذلك للمستقبل؟ وجلسة حوارية أخرى تحت عنوان الشباب والرياضة من إتاحة الفرص إلى صناعة التأثير، بالإضافة إلى جلسات أخرى حول الثقافة ومنظومة القيم الاجتماعية والبرنامج الوطني للتحول الاقتصادي.
تعددت الجلسات الحوارية التي شارك فيها هذا العدد الضخم ممثلين عن المجتمع المصري بكل فئاته، وتعددت العناوين من التنمية الحضرية والعمرانية ومناقشة ملامح الاقتصاد وملف الديون وصحة المواطن ومحاكاة أزمة الطاقة الناجمة عن اضطرابات مضيق هرمز وملف مصر الرقمية، إلى جانب بحث آليات تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية المستدامة واحتياجات المواطنين.
ومن ملف أمن الوطن والمواطن إلى فكرة دمج الاقتصاد غير الرسمي داخل المنظومة الرسمية، والأمن الغذائي والمائي والتحديات التي تواجهها الدولة، وصولًا إلى فكرة الأمن الشامل للوطن والمواطن وموارد النقد وإدارة الدين ومسيرة الطاقة المصرية وغيرها من الملفات التي خُصصت لها جلسات حوارية وورش متخصصة.
ورغم الجهود المبذولة في إعداد منتدى مصر ومشاركة كافة الوزارات والهيئات ومؤسسات المجتمع المدني في وضع تصورات للملفات الأكثر سخونة على مائدة النقاش المجتمعي، إلا أن الغرض من المنتدى بقي حبيس ما يشعر به المواطن في جيبه وفي بيته وفي مدرسة أولاده.
الاقتصاد في مفهوم المواطن هو قدرته على الإيفاء بمتطلبات بيته، لا تهمه الأرقام، ولا تشغله المعادلات، وليست لديه مساحة لنقاش معدل النمو، وليس مشغولًا بالدخل القومي، المواطن يعتبر الدخل القومي عظيمًا إن استطاع أن يعيش حياة كريمة.
وحياة كريمة التي كان يحلم بها المصريون قبل عقد من الزمان تختلف ملامحها تمامًا عن تصوره للحياة الكريمة الآن، بعد الأزمات التي أحاطت بالمواطن في راتبه أو دخله الشهري وانهيار قيمة الجنيه المصري وتحول مؤسسات الدولة إلى مؤسسات جباية، أصبح مفهوم الحياة الكريمة أضيق من كل التصورات عن المفهوم الحقيقي لهذا المعنى.
والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان: هل وصلت مناقشات منتدى مصر إلى ملح الأرض، إلى الطبقة التي كانت قبل عشر سنوات متوسطة ثم سقطت إلى قاع الحاجة والعوز والفقر؟ هل وصلت رسائل منتدى مصر إلى البطون الجائعة والجيوب الخاوية؟ هل حققت معجزة ودفعت المواطن إلى مساحات الرضا؟
أعتقد -وليت اعتقادي يكون في دائرة الشك- أن المنتدى انتهي دون أي أثر؛ لأن المواطن الذي تابع الجلسات أصيب بصدمة عندما مر على الأسواق في يومه المعتاد، لم يجد ما في جيبه كافيًا لسد حاجة بيته دون أحلام في الرفاهية.
إذا كانت الوجبة الشعبية مثل الفول أو الكشري أو الجبنة أو طبق المسقعة قد وصلت كلها إلى أرقام فلكية بالقياس لمرتب الموظف أو دخل العامل، وإذا كان مجرد انتقال تلميذ إلى مدرسته أو موظف إلى عمله أصبح ذا كلفة باهظة، وإذا كانت الملابس الموسمية للشتاء والصيف ضربًا من الخيال، فكيف يتأتى لمواطن أن يقتنع بجلسات لم تقدم له إلا كلمات وكلمات وكلمات؟
الأصل في أي عملية إقناعية هو أرض الواقع: هل تغير الواقع بعد منتدى مصر؟ سيظل المواطن محشورًا في خانة «اليك» كما يقولون، مرتب تقابله احتياجات أساسية في الكهرباء والماء والمأكل والملبس والتعليم، ليس له بها قِبَل.. إذن نحن ندور في حلقة مفرغة!!





