الهاربون من جحيم الوطن
محمد عبد الفتاح طفل لم يتعدَّ عمره خمسة عشر عامًا، وهو لاعب ضمن فريق مصر للكيك بوكسينج، حقق مع زملائه إنجازًا رياضيًا كبيرًا في رحلتهم إلى إيطاليا، محمد الطفل الواعد في رياضته المفضلة أضمر في نفسه قرارًا صعبًا عندما تعلل بذهابه إلى دورة المياه غير أنه لم يعد، عاد المنتخب ومحمد هرب هناك في فراغ الغربة ووحشتها.
ما الذي يجعل طفلًا صغيرًا يتخذ مثل هذا القرار الصعب، قرار أن يفارق أهله وناسه وأصحابه ومدرسته وزملائه ورفاقه في الشارع والحي والمدينة التي ولد فيها وتربى بين حواريها وأزقتها؟ ما الذي يدفع طفلًا صغيرًا لخوض تجربة قاسية مع شوارع لا ترحم المغترب والهارب والمقيم بدون أوراق؟
محمد عبد الفتاح لا شك عاش خيالًا مع أحلامه في وطن يستطيع فيه أن يعيش بشرًا، كريمًا، سويًا، عاش أكبر من سنه، ربما يتمنى من هم أكبر منه سنًا أو من خاضوا معاناة البحث عن عمل أو معاناة الأسرة في التعليم وتخطيط مستقبل الأولاد، كل هؤلاء الذين يعانون في وطن لم يعد رحيمًا بهم أن يغادروا إلى مساحات أكثر رحابة.
من المفترض أن يكون محمد طفلًا يعيش بين أسرة توفر له حاجياته الأساسية ويسعى ربها إلى صنع مستقبل لمحمد وأشقائه، ومن المفترض ألا يكون محمد محملًا بأعباء الحياة ولا تشغله يوميات الأب والأم في مسعاهم إلى حياة كريمة ومستقبل أكثر إشراقًا.
غير أن المفترض غير الواقع، فمن غير المتصور أن ينفصل الطفل عن مشاكل أسرته، والأسرة لا شك تعاني مثلما نعاني جميعًا من ظروف الحياة القاسية، من المحتمل أن يكون الطفل محمد متابعًا لمعارك أسرته من أجل البقاء على قيد الحياة أصلًا، ومن المحتمل أنه استوعب ملامح مستقبله المعتم فقرر ما قرر.
وقد يفكر المرء في هؤلاء الهاربين من أوطانهم إلى جحيم غربة لا ترحم وبلاد لا يعرف لغتها ولا عاداتها وليس له بها عهد ولا يحمل أوراقًا تساعده على العيش بين الناس، سيبحث محمد عن مكان غامض يختفي فيه بكل ما يحمل هذا المكان من ألغاز ومتاعب ومخاوف وهواجس.
هل يتصور الهاربون أن خروجهم من بلادهم إلى مجهول لا يعرفون ملامحه أكثر أمنًا من بقائهم داخل أوطانهم؟ هل يعتقد محمد وأمثاله أن الخروج من مصر أمنية وملاذ؟ هل يظنون أن هذا الخروج هدف وغاية؟ هل يعلمون أن ما ينتظرهم قد يكون أصعب من بقائهم في بلدانهم؟
قد يفكر محمد ورفاقه الذين قرروا خوض غمار معركة لا يعرفون تفاصيلها أن بقاءهم في بلد يعاني أبناؤه من شظف العيش والفوارق الطبقية، واستحالة الاستمرار مع غول الأسعار وشقق لا يسكنها إلا ذوو الحظوة وأصحاب الملايين، وغد لا يملكون منه سوى العوز والحاجة والفقر هو انتحار يجب الهرب منه.
الأخطر من الهاربين في إيطاليا وفي مراكب الموت هؤلاء الهاربون داخل أنفسهم كمدا وغيظًا وحقدًا وكراهية، الهروب إلى الداخل، داخل النفوس أو داخل الجدران أو داخل الذات، الهاربون إلى مساحات العتمة التي صنعتها حكومات قتلت في نفوسهم الأمل ووأدت أحلامهم واغتالت مستقبلهم بدم بارد.
إن فكرة الهروب أو الهجرة أو السفر بعيدًا تصبح أمرًا خطيرًا على الأمن القومي عندما تصبح فكرة عامة بين الكبار والصغار، بين معظم الناس، بين من كانوا يحيون حياة طيبة مع فقرهم فلم تعد فيها طيبة ولم يعد الفقر فقرًا بل أصبح وحشًا كاسرًا ينهش في لحم الطبقة الوسطى كما لم يفعل ذلك من قبل.





