الشباك الواحد.. متى يتحقق؟
في حوار مع وزير الصناعة، أعادت الإعلامية لميس الحديدي طرح السؤال القديم: لماذا لم يتحقق الشباك الواحد حتى الآن؟ وجاء رد الوزير اعترافًا بأن الموجود لم يصل إلى الكفاءة المطلوبة، مع وعد بإجراءات جديدة لتيسير التراخيص وتسريعها.
صحيح أن مصراتخذت خطوات للتيسير، وأطلقت منصات إلكترونية لتقديم الخدمات ومتابعة الطلبات، لكن رقمنة البيروقراطية ليست إصلاحًا لها؛ فقد تنتقل الأوراق إلى الشاشة، بينما تظل المعاناة كما هي.
جوهر الشباك الواحد ليس جمع الموظفين في مكان واحد، بل جمع القرار والمسؤولية في منظومة واحدة. يتقدم المستثمر بطلبه، وتتولى الجهات الحكومية التنسيق فيما بينها، بدلًا من أن يتحول صاحب المصنع إلى مندوب يحمل الأوراق من مكتب إلى آخر.
في دول مثل سنغافورة وإستونيا، ارتبط التيسير بتكامل الخدمات والبيانات، ووضوح الإجراءات، وإتاحة إنجاز معاملات كثيرة إلكترونيًا. لم يكن السر في إنشاء شباك جديد، بل في إعادة تنظيم العمل الحكومي حول احتياجات المواطن والمستثمر.
أما في مصر، فتظل المشكلة في تعدد جهات الاختصاص، وتداخل المسؤوليات، وتكرار المستندات، وغياب الالتزام الفعلي بمواعيد محددة، فضلًا عن ثقافة إدارية تجعل سلامة الإجراء أحيانًا أهم من سرعة الإنجاز. والحل ليس معقدًا: جهة واحدة مسؤولة عن إنهاء المعاملة، ومدة زمنية معلنة لكل ترخيص، ومستندات موحدة، وربط إلكتروني بين الجهات، ومحاسبة واضحة على التأخير، مع نشر بيانات تكشف للمجتمع ما أُنجز بالفعل.
ولا يعني التيسير إلغاء الرقابة أو التفريط في اشتراطات السلامة، بل إنهاء التعقيد الذي لا ضرورة له، والفصل بين الرقابة اللازمة والإجراءات المتكررة. فالمصنع الذي ينتظر ترخيصًا لا يخسر الوقت وحده، بل قد يخسر إنتاجًا وفرص عمل وأسواقًا. والاستثمار لا يحتاج إلى وعود جديدة بقدر حاجته إلى قواعد واضحة وقرارات سريعة.
الخلاصة أن الشباك الواحد لا يتحقق بتغيير اللافتة، بل بتغيير طريقة العمل، وحين تتولى الدولة تنسيق مؤسساتها بدلًا من مطالبة المستثمر بملاحقتها، يصبح التيسير واقعًا لا شعارًا.. لقد آن الأوان أن ننتقل من سؤال: أين الشباك الواحد؟ إلى سؤال أكثر حسمًا: من المسؤول عن إنهاء المعاملة، ومتى تنتهي، ومن يُحاسب إذا تعطلت؟
فالدولة التي تريد زيادة الإنتاج لا يجوز أن تجعل الطريق إلى المصنع أطول من الطريق إلى السوق.
