رئيس التحرير
عصام كامل

أمم كانت أمثالنا!

18 حجم الخط

السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: من سيقود مصر غدًا؟ بل: أي منظومة نريد أن تحكم أداء مصر، مهما تغير من يقودها؟ فالدولة القوية ليست التي تنتظر قائدًا استثنائيًا كي تنجح، بل التي تبني مؤسسات تجعل النجاح قاعدة، والخطأ قابلًا للتصحيح، والإنجاز قابلًا للتراكم. هنا يبدأ الفارق بين دولة تتبدل فيها الوجوه، وأمة تصنع مستقبلها. 

 

ولعل تجارب سنغافورة وكوريا الجنوبية تقدم الدليل الأوضح على ذلك. فقد انطلقت الدولتان من ظروف صعبة وموارد محدودة، لكنهما امتلكتا رؤية طويلة الأجل، واستثمرتا في التعليم، وطورتا مؤسسات الإدارة، وربطتا التخطيط بالإنتاج والمحاسبة بالنتائج. لم تصنعا نهضتهما بانتظار مسؤول استثنائي، بل ببناء منظومة تحول كفاءة الأشخاص إلى نجاح مستمر.

وهنا تفرض الحالة المصرية نفسها، لا باعتبارها مقارنة عابرة مع تجارب الآخرين، بل باعتبارها سؤالًا عن الفجوة بين ما نملكه وما نحققه. فمصر تمتلك موقعًا استراتيجيًا، وكتلة بشرية كبيرة، وعقولًا قادرة، وخبرات متراكمة، لكن التحدي الحقيقي هو كيف تتحول هذه الإمكانات إلى إنتاجية أعلى، واقتصاد أكثر تنافسية، وتحسن مستدام في حياة المواطنين؟ 

لماذا لا تتحول الخطط المتعاقبة دائمًا إلى مسار تنموي متصل؟ وكيف نضمن ألا يبدأ كل مسؤول من جديد، أو تتراجع الأولويات بتغير القيادات؟ وهل أصبحت الكفاءة معيارًا حاسمًا للاختيار، والنتائج أساسًا للمحاسبة، أم ما زلنا نعطي الأشخاص مساحة أكبر من المؤسسات؟

 

إن النهضة لا تحتاج إلى خطط جديدة فحسب، بل إلى تغيير طريقة إدارة الخطط نفسها: رؤية وطنية تمتد عبر الحكومات، وأهداف قابلة للقياس، ومؤسسات تختار الأكفأ وتمنحه الصلاحيات وتحاسبه على النتائج، وتعليم يصنع العقول لا الشهادات، واقتصاد يكافئ الإنتاج والابتكار، وإدارة تتعلم من أخطائها بدلًا من تكرارها.

 

وليس المطلوب استنساخ تجارب الآخرين، بل فهم أسباب نجاحهم وتكييف دروسهم مع واقعنا. فالتقدم لا يُقاس بحجم المشروعات وحده، وإنما بقدرتها على خلق قيمة مضافة، وتوفير فرص عمل منتجة، ورفع كفاءة الإنسان، وتعزيز الثقة في المؤسسات.

لقد قلت من قبل: إن الدول لا تنهض عندما يتغير الأشخاص، وإنما عندما تتغير طريقة التفكير وإدارة الدولة. فالأمم لا تصنع مستقبلها بتغيير الوجوه وحده، بل ببناء مؤسسات أقوى من الأفراد، وسياسات تتجاوز عمر الحكومات، ومنظومة تجعل الكفاءة قاعدة لا استثناءً، والاستمرارية ضمانًا للتقدم لا مبررًا للجمود. 

فنهضة مصر لن تتحقق بانتظار الشخص المناسب وحده، وإنما ببناء الدولة التي تستطيع اكتشاف الأكفأ، وتوظيف قدراته، ومحاسبته، ومواصلة الإنجاز بعد رحيله. عندها فقط يصبح التغيير انتقالًا إلى الأمام، لا عودة متكررة إلى نقطة البداية.
حفظ الله مصر.

الجريدة الرسمية