رئيس التحرير
عصام كامل

اختبار الجمهورية الجديدة (2-2)

18 حجم الخط

ليست القضية مَن يتولى المسؤولية، بل كيف نبني دولة تستمر وتتقدم مهما تغير شاغلو المناصب. فالدولة القوية لا تُقاس بمشروعاتها فقط، وإنما بقدرتها على حماية إنجازاتها، وتصحيح أخطائها، وتجديد قياداتها، وضمان انتقال السلطة وفق قواعد دستورية مستقرة.


وتكتسب تصريحات النائب الدكتور رضا عبدالسلام بشأن بناء الحياة السياسية ودولة المؤسسات أهمية تتجاوز الأشخاص، لأنها تطرح سؤالًا جوهريًا: كيف تتحول الدعوة إلى أحزاب حقيقية، وبرلمان فاعل، ومؤسسات تقوم على الكفاءة وسيادة القانون، إلى مشروع وطني مستدام؟
 

دولة المؤسسات لا تلغي دور القيادة، لكنها تمنع ارتهان الدولة لشخص أو قرار فرد. فالمناصب مسؤوليات، والفرص يجب أن تُتاح وفق قواعد عادلة، لا عبر العلاقات أو الثقة الشخصية. والإصلاح الحقيقي يعني أن تصبح الكفاءة معيار الاختيار، وأن يخضع المسؤول للمساءلة، وأن تستمر السياسات الناجحة وتُراجع السياسات الفاشلة دون ارتباط ذلك بتغير القيادات.


كما أن وجود الأحزاب لا يكفي؛ فالحزب الحقيقي برنامج وقيادات متجددة وقدرة على تقديم بدائل واقعية. والبرلمان القوي ليس خصمًا للحكومة، بل شريك في تحسين القرار عبر التشريع والرقابة والمحاسبة. أما الانتخابات، فهي الاختبار الأهم لجدية الإصلاح، ولا تكتسب المؤسسات المنتخبة شرعيتها إلا من نزاهة العملية الانتخابية وتكافؤ الفرص واحترام صوت الناخب.


ولا تكتمل دولة القانون من دون عدالة في التعليم والعمل والتعيين والترقي، بحيث تتقدم الكفاءة على المحسوبية، ويشعر المواطن بأن الاجتهاد طريق ممكن إلى النجاح. كذلك، فإن الاستقرار المستدام لا يعني بقاء الأوضاع كما هي، بل قدرة الدولة على تجديد نفسها وانتقال السلطة بسلاسة، عبر احترام الدستور واستقلال المؤسسات وإعداد كوادر سياسية مؤهلة.


لذلك، ينبغي أن يتحول إصلاح الحياة السياسية إلى برنامج واضح حتى عام 2030، بأهداف قابلة للقياس ومراحل معلنة، تشمل تطوير الأحزاب، وتعزيز الرقابة البرلمانية، وإصلاح الإدارة، وترسيخ استقلال القضاء، ودعم إعلام مهني يتيح النقاش الجاد.

مصر لا تحتاج إلى الاختيار بين الاستقرار والتغيير، بل إلى تغيير منظم يصنع الاستقرار. فالدولة القوية ليست التي لا تتغير قياداتها، وإنما التي لا تهتز مؤسساتها حين تتغير. وحين يصبح القانون مرجع الجميع، والكفاءة معيار الاختيار، والانتخابات طريقًا موثوقًا، والبرلمان ساحة حقيقية للتشريع والرقابة، نكون قد وضعنا أساسًا لدولة تستمد قوتها من مؤسساتها وشرعيتها من مواطنيها.

الجريدة الرسمية