رئيس التحرير
عصام كامل

الدولار اللي تاعبنا!

18 حجم الخط

كلما ارتفع الدولار، انكمشت قدرة الجنيه على حمل أعباء الحياة، وعاد السؤال الذي يطارد المصريين منذ سنوات: هل كان تعويم العملة ضرورة اقتصادية، أم أن طريقة إدارة الاقتصاد جعلت التصحيح يتكرر دون أن تنتهي أسبابه؟

منذ تعويم نوفمبر 2016، مرورًا بموجات خفض الجنيه في 2022 و2023، وصولًا إلى تحرير سعر الصرف في مارس 2024، ظل الهدف المعلن هو إنهاء اختلالات سوق النقد الأجنبي واستعادة الثقة، وقد نجح تحرير السعر في تقليص الفجوة مع السوق الموازية وإتاحة الدولار عبر القنوات الرسمية، لكنه لم يكن كافيًا وحده لضمان استقرار مستدام. وفقًا لتقارير صندوق النقد الدولي.


اقتصاديًا، ليست المشكلة في التعويم باعتباره أداة لتصحيح سعر غير واقعي، وإنما في الاعتقاد بأن تغيير السعر يمكن أن يعالج وحده ضعف الإنتاج، وفجوة الصادرات والواردات، وارتفاع أعباء الدين الخارجي. فالعملة مرآة لقدرة الاقتصاد على توليد موارده، وليست بديلًا عن هذه القدرة.    

                                                      

أما سياسيًا، فإن تكرار الأزمات يطرح سؤال الأولويات والمساءلة: هل وُجهت الاستثمارات إلى القطاعات الأكثر إنتاجًا للعملة الأجنبية؟ وهل تحقق توازن كافٍ بين دور الدولة والقطاع الخاص؟ وهل وُزعت أعباء الإصلاح بعدالة، أم تحمل أصحاب الدخول الثابتة النصيب الأكبر من تراجع القوة الشرائية؟                

                         

إن استمرار الحاجة إلى تدفقات استثنائية من التمويل، بالتوازي مع تأخر إصلاحات هيكلية، يجعل الاستقرار أكثر تعرضًا للصدمات، وقد شدد صندوق النقد الدولي في مراجعاته على أهمية إصلاح إدارة الدين، وتعزيز المنافسة، وتوسيع دورالقطاع الخاص، وحماية الفئات الأكثر تضررًا.


وفي رأيي أن تصويب المسار يبدأ من الإنتاج والتصدير، وترشيد الإنفاق العام وفق العائد، وإدارة الدين بشفافية، واستقرار قواعد الاستثمار، ومواجهة الاحتكار، وربط الحماية الاجتماعية بارتفاع تكاليف المعيشة.    

لا أحد يستطيع أن يجزم بمسار الدولار غدًا، لكن يمكن تقليل أسباب الضغط عليه. فالمطلوب ليس جنيهًا قويًا على الورق، ولا سعرًا إداريًا يخفي الاختلالات، وإنما اقتصاد يولد دولاره، ودولة تراجع أولوياتها، ومواطن لا يدفع وحده ثمن الإصلاح. فالسؤال الحقيقي ليس: كم سيبلغ الدولار؟ بل: لماذا نكرر التصحيح، ولا نحسم أسباب الأزمة؟

الجريدة الرسمية