رئيس التحرير
عصام كامل

منتدى مصر.. تكررت الوجوه وغاب المواطن (1-2)

18 حجم الخط

لم يكن السؤال عن منتدى مصر 2026 متعلقًا فقط بما طُرح على منصاته، بل بمن أُتيحت لهم فرصة طرحه، وبالأصوات التي غابت عن المشهد رغم أنها الأكثر احتياجًا إلى أن تُسمع. فالحوار المجتمعي لا يُقاس بعدد الحاضرين ولا بثراء الكلمات، وإنما بقدرته على تمثيل المجتمع بتنوعه، وإتاحة المجال أمام رؤى جديدة، حتى لو اختلفت مع السائد أو طرحت أسئلة غير مريحة.


من هنا، يبرز تساؤل مشروع: لماذا تتكرر الوجوه الإعلامية نفسها، والشخصيات المعروفة ذاتها فمثلا وجدنا بعض الوجوه التي تسيطر على شاشات الفضائيات حاضرة في المنتدى أمثال: أسامة كمال ومحمد على خير وجمال عنايت، في مناسبات يفترض أن تفتح أبوابها أمام جيل جديد من الإعلاميين والمفكرين والخبراء؟ وأين الأصوات التي تعبّر عن هموم الطبقة الوسطى، وأصحاب المعاشات، والعاملين الذين تآكلت دخولهم بفعل ارتفاع الأسعار، والمواطنين الذين يواجهون اضطراب الأسواق وممارسات الاحتكار؟


لماذا لم تظهر مثلا إعلامية شابة مثل قصواء الخلالي أو محمد الدسوقي أو شريف عامر.. ولا يعني كلامي هذا مجرد الاعتراض على مشاركة شخصيات بعينها لمجرد أنها معروفة، ولا إنكار خبرة أصحاب التجارب الطويلة، وإنما التساؤل عن معايير الاختيار، ومدى قدرتها على تحقيق التنوع والتجديد. فالمشهد العام لا يحتاج إلى استبعاد الوجوه المعروفة بقدر ما يحتاج إلى ألا تصبح المعرفة والظهور المتكرر امتيازًا مغلقًا يحرم الآخرين من الفرصة.


وقد عبّرت الكاتبة مي عزام عن جانب من هذه المفارقة، حين أشارت إلى أنها سألت أصدقاء من أصحاب الخبرة والمعرفة عما إذا كانوا قد تلقوا دعوات للمشاركة، فلم يكونوا ضمن المدعوين. ويعيد ذلك طرح السؤال الذي يتجاوز حالة فردية إلى طبيعة الاختيار نفسها: هل تُوجَّه الدعوات على أساس تنوع الرؤى والخبرات، أم وفق دوائر محدودة اعتادت الحضور في مثل هذه الفعاليات؟


والسؤال الأكثر دلالة هو: «هو إحنا خارجين من أي حوار مجتمعي ليه؟ ولا المقصود بالحوار المجتمعي مجتمع الجمهورية الجديدة؟ يعني زيتنا في دقيقنا». قد تبدو العبارة حادة، لكنها تختصر مخاوف من أن يتحول الحوار إلى مساحة يتبادل فيها المشاركون المعروفون الأفكار ذاتها، بينما يظل قطاع من المجتمع متلقيًا للنتائج، لا شريكًا في صياغتها.


إن الوجوه المقبولة جماهيريًا ليست بالضرورة الأكثر شهرة أو حضورًا على الشاشات، بل تلك التي يثق الناس في صدقها، وتقترب من واقعهم، وتستطيع نقل أسئلتهم دون تجميل أو مبالغة. وقد يكون بين هذه الوجوه إعلاميون شباب، وخبراء مستقلون، وأكاديميون، وممثلون عن النقابات والقطاعات الإنتاجية، وشخصيات عامة اكتسبت احترامها من عملها وخبرتها، لا من تكرار ظهورها. كما أن المواطن الذي يواجه أعباء المعيشة لا يحتاج إلى من يتحدث عنه من بعيد بقدر ما يحتاج إلى من ينقل تجربته كما هي، ويضعها أمام صانع القرار.


ولكي يصبح المنتدى مساحة حوار حقيقية، فإن الأمر يتطلب إعلان معايير واضحة لاختيار المشاركين، وإتاحة فرص متكافئة للأصوات الجديدة، والاستماع إلى من لديهم معرفة مباشرة بالمشكلات، مع ضمان تمثيل الآراء المختلفة، لا الاكتفاء بمن يتفقون في الرؤية أو اللغة. ومن المهم أيضًا أن يكون للمشاركين دور يتجاوز الحضور وإلقاء الكلمات، عبر تقديم مقترحات محددة ومتابعة ما يُنفَّذ منها.


فالحوار الذي لا يسمع إلا الأصوات المألوفة قد ينتج خطابًا منظمًا، لكنه لا يضمن فهم المجتمع. أما الحوار الذي يفتح المجال للاختلاف، ويمنح المواطن فرصة حقيقية للتعبير، فيمكن أن يكشف مشكلات لا تظهر في التقارير الرسمية، وأن يساعد على تصحيح السياسات قبل أن تتسع الفجوة بين الخطاب والواقع.

في النهاية، لا يُختبر نجاح منتدى مصر 2026 بمدى بريق منصاته أو شهرة ضيوفه، بل بقدرته على كسر دوائر التكرار، وتجديد الدماء، وإيصال أصوات لم تجد طريقها إلى دوائر النقاش. فالمجتمع ليس مجموعة من الوجوه التي اعتاد الجمهور رؤيتها، والحوار لا يكون مجتمعيًا حقًا إلا عندما يجد المواطن نفسه حاضرًا فيه، ولو عبر صوت يعرف معاناته ويعبّر عنها بصدق..

الجريدة الرسمية