رئيس التحرير
عصام كامل

طه حسين.. ومستقبل التعليم في مصر!

18 حجم الخط

طه حسين، عميد الأدب العربي له مقولة خالدة «التعليم كالماء والهواء»، فهل كان يتصور أن يصبح التعليم في مصر ساحة لتجارب متعاقبة، تتغير فيها السياسات بتغير الوزراء، بينما يدفع الطلاب والأسر ثمن غياب الرؤية المستقرة؟ لم تكن مقولة طه حسين مجرد عبارة بليغة، بل فلسفة تؤمن بأن التعليم حق للجميع، لا امتيازًا للأغنياء، وأن نهضة الأمم تبدأ بتحرير العقول من الجهل.

 

وتُروى حكاية عن اعتراض الأمير محمد علي على تعميم التعليم، متسائلًا: إذا تعلم الناس جميعًا، فمن يخدمنا في بيوتنا؟ فجاءه الرد بأن العاملين في الفنادق الأوروبية كانوا متعلمين أيضًا. ومغزى الحكاية أن التعليم لا ينتقص من قيمة العمل، بل يحرر الإنسان من أسر الجهل، ويفتح أمام المجتمع أبواب التقدم.

 

لكن هل استوعبنا الدرس؟ وهل أثبتت الأيام صحة رؤية طه حسين؟ لقد أثبتت التجارب أن إتاحة التعليم وحدها لا تكفي؛ فالمطلوب تعليم جيد، ومعلم مؤهل، ومناهج تنمي التفكير، ومدرسة تمنح الطالب معرفة حقيقية. فكما يفقد الماء قيمته إذا تلوث، يفقد التعليم جوهره إذا تراجعت جودته، مهما اتسعت فرص الالتحاق به.

 

وهنا يبرز كتاب طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، الصادر عام 1938، بما يحمله من رؤية لدور التعليم والثقافة في بناء المجتمع. فهل قرأه وزير التعليم الحالي، أو من سبقه، لاستلهام فلسفته في وضع السياسات التعليمية؟

ليس المطلوب استنساخ أفكار الماضي، بل الاستفادة منها في بناء مشروع وطني مستقر، لا يبدأ من الصفر مع كل وزير، ولا يحول الطلاب إلى حقل تجارب لقرارات تتغير قبل أن تظهر نتائجها.

 

أزمة التعليم أكبر من تغيير نظام امتحانات أو إدخال التكنولوجيا إلى الفصول؛ إنها قضية تتعلق بمستقبل الأجيال، وقدرة الاقتصاد على المنافسة، وثقة الأسرة في المدرسة. والإصلاح الحقيقي يبدأ بتقييم التجارب السابقة، والاستماع إلى المعلمين والخبراء، ووضع سياسة تستمر بتغير الوزراء، وتتطور دون أن تفقد اتجاهها.

كما أن مجانية التعليم لا تكتمل إلا بجودته، فلا يجوز أن تصبح الظروف الاقتصادية للأسرة حاجزًا أمام مستقبل أبنائها، ولا أن تتحول كلفة التعليم إلى مبرر للتفريط في حقهم.

يا دكتور طه حسين، تركت لنا كتابًا عنوانه: مستقبل الثقافة في مصر، وما زلنا نسأل عن مستقبل التعليم نفسه. فهل آن الأوان أن ننتقل من ترديد مقولتك التعليم كالماء والهواء إلى تطبيق فلسفتها؟ فالتعليم ليس حقيبة يتسلمها وزير ويسلمها إلى آخر، ولا حقل تجارب تتبدل فيه السياسات بتغير الأشخاص؛ إنه مستقبل وطن بأكمله، ومسؤولية دولة لا تحتمل أن تبدأ من جديد مع كل وزير.

الجريدة الرسمية