رئيس التحرير
عصام كامل

الإفتاء توضح كيفية التصرف بالآثار التي يجدها الإنسان في أرضه

الآثار
الآثار
18 حجم الخط

الإفتاء توضح ماهي زكاة الركاز وكيفية التصرف في الآثار التي يجدها الإنسان في ملكه؟ أجابت دار الإفتاء المصرية عن سؤال ورد إليها عبر موقعها الرسمي على فيسبوك عن زكاة الركاز وكيفية التصرف في الآثار التي يجدها الإنسان في ملكه؟ 

وقالت دار الإفتاء: إن الآثار التي يُعثر عليها في الأراضي المصرية هي من الأموال العامة للدولة، ولا تدخل في ملك الأفراد، سواء عُثر عليها في أراضٍ يملكونها مِلكًا صحيحًا مستقرًّا أو غير ذلك، ومن ثَمَّ فلا يحق لأحد تملُّكُ ما وجد من التماثيل الأثرية أثناء حفره في أرضه لبناء بيته، ولا حيازتُها ولا التصرفُ فيها، ويجب عليه شرعًا تسليمها إلى الجهات المختصة المعنية بهذا الشأن.

المقصود بمال الركاز

ذهب فقهاء الحنفية إلى أن الركاز اسم يطلق على ما كان ذا قيمة مدفونًا في باطن الأرض، سواء أكان بفعل المخلوق، وهو الكنز، أم بأصل خِلقة الله سبحانه وتعالى، وهو المعدِن، فهو عندهم أعم منهما.

قال العلامة الزيلعي الحنفي في "تبيين الحقائق" (1/ 288، ط. المطبعة الكبرى الأميرية): [(باب الركاز) وهو اسم لما يكون تحت الأرض خِلقة، أو بدفن العباد. والمعدن: اسم لما يكون فيها خلقة. والكنز: اسم لمدفون العباد] اهـ.

وأما جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة فقد ذهبوا إلى أن الركاز هو ما كان من دفين الجاهلية خصوصًا -على تفصيل عندهم في ذلك-، أي أن الركاز مال مدفون كان يمتلكه شخص جاهلي، وفسروا مرادهم بالجاهلي بأنه غير المسلم والذمي، فيشمل من كان قبل الإسلام ومن كان بعده، وقيل: المقصود به ما كان قبل الإسلام ولا يعرف مالكه ولم تبلغه الدعوة.

كيفية التصرف في مال الركاز 

مآل الركاز بعد العثور عليه هو مما تعددت فيه كلمة الفقهاء: حيث ذهب الحنفية إلى أن الركاز إن وجد في أرض مملوكة فإنه يخرج منه الخمس، ويكون باقيه للمالك الذي خصه ولي الأمر بتملك تلك الأرض عند أول فتحها بالإسلام، ومن بعده تكون لورثته، وإن لم يكن له وارث أو كان له إلا أنه غير معروف فإن الركاز حينئذ يعود أمره إلى ولي الأمر، فيكون ملكًا لبيت المال.

وأما المالكية فقالوا بوجوب الخمس فيه إن امتلكه، وما تبقى منه يكون لمالك الأرض التي وجد فيها هذا المال بشرط أن يكون قد امتلكها بإحياء أو بإرث ممن أحياها، لا بشراء ولا بهبة، فإن كانت الأرض فتحت عنوة كان باقي الركاز للجيش، وإلا فلورثة الجيش، وإلا فلبيت المال وعموم المسلمين، وأما إن كانت فتحت صلحًا فجميع ركاز الأرض يكون للمصالحين بلا تخميس ثم لورثتهم، فإن انقرضوا كان الركاز كالمال الذي لم يعرف صاحبه.

 

وأما الشافعية فيرون أن الركاز ملك لواجده إذا كان في أرض موات أو في أرض أحياها، ويجب عليه الخمس فيه، أما إن وجده في أرض الغانمين أو أرض الفيء أو دار الحرب أو أرض موقوفة فإنه يكون لأصحاب هذه الأراضي، ولا يحق له امتلاكه، وكذلك الحال إذا كان عليه سمة تدل على صاحبه فترد عليه، أما إن وجده في مسجد أو شارع أو طريق نافذ ولا يعلم مالكه فيعد الموجود لقطة، فيعرِّفه الواجد كما يعرف اللقطة الموجودة على وجه الأرض، وكذلك الحال إذا لم يعلم هل الركاز جاهلي أم إسلامي.

وأما الحنابلة فيعتبرون أن ملك الركاز إنما يكون لواجده إن وجده في أرض موات، أو شارع، أو أرض لا يعلم مالكها ولو على وجه الأرض، أو طريق غير مملوك، أو في خربة، أو في ملكه الذي أحياه، أو أرض انتقلت إليه ما لم يكن قد أودع مالكها الأول الركاز فيها، ويخرج واجد الركاز الخمس منه.

المقصود بالآثار

أما الآثار فقد عرفها العلامة ابن سيده في "المحكم والمحيط الأعظم" (10/ 173، ط. دار الكتب العلمية) بقوله: [الأَثَرُ: بقية الشيء. والجمع: آثار، وأُثُور] اهـ.

وحَدَّها قانون حماية الآثار المصري الصادر برقم 117 لسنة 1983م وتعديلاته، في مادته الأولى بأنها: [يعد أثرًا كلُّ عقار أو منقول متى توافرت فيه الشروط الآتية:

1- أن يكون نتاجًا للحضارة المصرية أو الحضارات المتعاقبة، أو نتاجًا للفنون أو العلوم أو الآداب أو الأديان التي قامت على أرض مصر منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى ما قبل مائة عام.

2- أن يكون ذا قيمة أثرية أو فنية أو أهمية تاريخية باعتباره مظهرًا من مظاهر الحضارة المصرية أو غيرها من الحضارات الأخرى التي قامت على أرض مصر.

3- أن يكون الأثر قد أنتج أو نشأ على أرض مصر أو له صلة تاريخية بها. وتعتبر رفات السلالات البشرية والكائنات المعاصرة لها في حكم الأثر الذي يتم تسجيله وفقًا لأحكام هذا القانون] اهـ.

كيفية التصرف في الآثار التي يجدها الإنسان في ملكه

ولما كانت الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال والأشخاص، وكان إدراكُ الواقع وتصوُّره ركنًا ركينًا لضبط الحكم الشرعي، فإن الفتوى في شأن الآثار وما يتعلق بها من أحكام الحيازة والتصرف وغيرها تنبني على أمور، أهمها:

أولًا: ما يكتنف هذه الآثار من جهالةٍ في مالكها الأول أو ورثته، خاصة تلك المودعة في باطن الأرض منذ قرون بعيدة، مما يجعلها من قبيل المال الذي لا يعرف له مالك.

ثانيًا: أن الآثار مظنة التنازع؛ لدوامها واستمرار الانتفاع بها من جهة ما تقدمه من فائدة تاريخية، وقيمة حضارية، وما تدره من دخل مالي نتيجة تكالب الدول الأخرى عليها، إما للانتفاع بها، أو لمجرد هدم الحضارات التي دلت عليها هذه الآثار، بل بمشاهدة الواقع الغالب نجد أنه بسبب التنقيب عن الآثار تقوم الخصومة بين الإخوة والأصدقاء والغرباء بسبب الطمع الذي يحصل نتيجة العثور عليها، بل أدى في كثير من الأحيان لقتل الأرواح والنهب والسرقة، إضافة إلى ما يتعرض له بنو الإنسان من الخطر جراء البحث والتنقيب عنها، ولأجل ذلك وجب سد باب التنازع والتخاصم والتناحر.

ثالثًا: أن الآثار تعتبر من الأموال التي يتضرر مجموع الأمة لو اقتصر تملكها أو حيازتها أو التصرف فيها لحساب فرد واحد، بخلاف ما لو انتفع بها عموم الناس بما يحقق المصلحة العامة للجميع، كعمل المتاحف وزيادة السياحة والاقتصاد الخاص للدولة التي تكفل جميع الأفراد وترعاهم، إضافة إلى عدم إهدار أو بيع تراثها الحضاري للدول الأخرى التي تستغل مثل هذه الأفعال لسرقة الحضارات.

رابعًا: أن الحضارة المصرية هي إحدى أقدم وأعرق حضارات العالم التي عرفها التاريخ، فقد كانت ولا تزال مهد العلوم، حيث أثْرَت العالَمَ بالابتكارات والإنجازات والإبداع في شتى العلوم والمعارف، كالطب، والهندسة، والتحنيط، والفَلَك، والكتابة وغيرها، مما جعلها منارة معرفية تَفُوق غيرها من الحضارات عبر التاريخ، وبذلك ملأ المصريون جنبات الأرض صناعةً وعمرانًا وعلمًا، فألجأهم ذلك إلى تسجيل تاريخهم دينيًّا وثقافيًّا وعلميًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا وحربيًّا -نقوشًا ورسومًا ونحتًا على الحجارة، وغير ذلك حفاظًا على هذه الهوية الحضارية.

الجريدة الرسمية