منتدى مصر.. تكررت الوجوه وغاب المواطن (2-2)
قد تعلن الدولة عن مشروعات كبرى، وتعرض مؤشرات اقتصادية، وتستعرض ما تحقق في البنية الأساسية والإنتاج والخدمات، لكن المواطن يظل أحيانًا أمام سؤال مختلف: ماذا تغيّر في حياتي؟ هل أصبح دخلي أكثر قدرة على تلبية احتياجات أسرتي؟ هل تراجعت أعباء العلاج والتعليم؟ وهل أستطيع شراء احتياجاتي دون أن تلتهم الأسعار معظم ما أكسبه؟
هنا تتجلى واحدة من أهم معضلات السياسات العامة: قد تكون هناك إنجازات حقيقية على المستوى الكلي، لكن أثرها لا يصل بالسرعة أو الوضوح الكافيين إلى الحياة اليومية. ولا يعني ذلك إنكار ما تحقق، كما لا يصح تفسير شكوى المواطن باعتبارها عجزًا عن رؤية الإنجاز. فالمشروعات والمؤشرات وسائل لتحقيق التنمية، وليست غايات منفصلة عن الإنسان الذي يفترض أن يجني ثمارها.
المواطن لا يقيس نجاح الاقتصاد بعدد المشروعات وحده، بل بما تتيحه من فرص عمل مستقرة، وما تضيفه إلى دخله، وما توفره من خدمات جيدة، وما تمنحه له من شعور بالأمان تجاه المستقبل. وإذا اتسعت الفجوة بين لغة الإنجازات وتجربة الناس اليومية، فلن يكون تكرار الرسائل الإعلامية كافيًا لإقناعه، مهما كانت صياغتها محكمة.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يتصدر أي حوار اقتصادي واجتماعي ليس كيف نشرح للمواطن ما تحقق فحسب، بل كيف نضمن أن يلمس أثره في حياته. فالإقناع المستدام لا يبدأ من تحسين عرض النتائج، وإنما من مراجعة السياسات التي تحدد مَن يستفيد من النمو، ومدى عدالة توزيع ثماره، والوقت الذي يحتاجه المواطن حتى يشعر بتأثيرها.
أول الطريق هو الانتقال من الاكتفاء بقياس حجم الإنفاق والمشروعات إلى قياس أثرها الاجتماعي والاقتصادي. فالمعيار الأهم ليس فقط ما أُنجز، وإنما عدد فرص العمل المستقرة التي وفرها، ومدى تحسن القوة الشرائية للأجور والمعاشات، وقدرة الأسر على الحصول على تعليم وعلاج مناسبين، وتراجع الأعباء التي تستنزف دخولها. وينبغي أن تكون هذه المؤشرات معلنة وقابلة للمتابعة والمقارنة.
وثاني الطريق هو وضع الإنتاج والتشغيل في قلب السياسة الاقتصادية. فلا يمكن بناء شعور مستدام بالتحسن على الاستهلاك وحده، ولا على توسع عمراني لا يرتبط بما يكفي من فرص العمل والدخل. المطلوب دعم الصناعة المحلية، وتوطين التكنولوجيا، وتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتيسير التمويل أمام المنتجين، وربط الاستثمار باحتياجات السوق وفرص التصدير. فكلما اتسعت القاعدة الإنتاجية، زادت فرص العمل وارتفعت قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات.
أما الطريق الثالث، فيبدأ من مواجهة الغلاء واضطراب الأسواق وممارسات الاحتكار، وتعزيز المنافسة العادلة، وتطوير أدوات الحماية الاجتماعية بحيث تصل إلى مستحقيها وتواكب تغير تكاليف المعيشة. فالنمو الذي لا يحمي القوة الشرائية للفئات الأضعف قد يظهر في المؤشرات، لكنه يظل بعيدًا عن إدراك أسر كثيرة، خصوصًا أصحاب الدخول الثابتة والمعاشات.
ولا يقل عن ذلك أهمية الاستثمار في الإنسان نفسه. فالتعليم الجيد والرعاية الصحية اللائقة والتدريب المهني ليست نفقات يمكن تأجيل ثمارها بلا كلفة، بل شروط أساسية لرفع الإنتاجية وتحسين مستوى المعيشة. كما أن تكافؤ الفرص، والاعتماد على الكفاءة بدلًا من المحاباة، وتوفير بيئة تنافسية عادلة، كلها عوامل تعزز ثقة المواطن في أن جهده يمكن أن يغير واقعه.
وهنا يأتي دور الحوار الاقتصادي والاجتماعي: أن يتحول من مناسبة لتبادل الرؤى إلى آلية لصنع القرار ومراجعته. ويتطلب ذلك توصيات محددة، وجهات مسؤولة عن تنفيذها، وجداول زمنية واضحة، ومؤشرات معلنة لقياس التقدم، وآلية دورية لمحاسبة الجهات المعنية. كما ينبغي أن يشارك في هذا الحوار العمال وأصحاب المعاشات والمنتجون والمستثمرون والخبراء والشباب، وأن تكون نتائج النقاش قابلة للفحص العام، لا أن تنتهي بانتهاء الفعاليات.
وللإعلام دور مهم في هذه المعادلة، لكنه لا يتمثل في مطالبة المواطن بتصديق الإنجازات أو تكرار البيانات الرسمية، وإنما في شرح ما تحقق وما لم يتحقق، وربط الأرقام بأثرها الفعلي، وإتاحة المجال للشكاوى والآراء المختلفة، ومتابعة الوعود والقرارات. فالإعلام الذي يكتفي بعرض الصورة الإيجابية قد يوسع المسافة بين الخطاب والواقع، أما الإعلام المهني فيساعد على فهم الإنجاز، ويكشف مواضع القصور، ويدفع نحو التصحيح.
إن إقناع المواطن لا يتحقق بمطالبته بتغيير نظرته إلى واقعه، بل بتغيير ما يحتاج إلى تغيير في هذا الواقع، وبالشفافية في عرض النتائج وحدودها. فليس مطلوبًا من الدولة أن تتخلى عن الحديث عما أنجزته، وإنما أن تجعل الإنجاز بداية لسؤال أكثر أهمية: كيف يتحول إلى دخل أفضل، وخدمات أجود، وفرص أوسع، وعدالة أكبر في توزيع ثماره؟
الخلاصة: أن الثقة لا تُبنى بالدعاية، ولا تنمو بمجرد الإعلان عن الأرقام؛ إنها تتشكل عندما يرى المواطن أن السياسات تستجيب لاحتياجاته، وأن صوته يؤثر في القرار، وأن ما يُقال عن التنمية ينعكس على حياته. عندئذ فقط يصبح الإنجاز مفهومًا ومحسوسًا، ويغدو الحوار أداة للتغيير لا مجرد مناسبة للكلام. فالمواطن يقتنع بما يلمسه، لا بما يُطلب منه تصديقه.
بصراحة..إعلامنا ووزيره غائب.
