ما حكم كي الماشية بالنار لتمييزها وما ضوابط ذلك؟ الإفتاء تجيب
ما حكم كي الماشية بالنار لتمييزها وما ضوابط ذلك ؟، أجابت دار الإفتاء المصرية على سؤال ورد إليها عبر الموقع الرسمي لها على “فيس بوك” يسأل صاحبه عن حكم كيِّ الماشية بالنار لتمييزها؟، حيث يملك رجلٌ عددًا كبيرًا من الماشية، ويقوم برعيها في الصحراء ومواطن الخُضرة، ويحتاج إلى تمييزها عن ماشية غيره خشية الاختلاط، فهل يجوز له وسمها بالكي بالنار لتمييزها عن غيرها؟
وقالت دار الإفتاء إنه لا مانع شرعًا من وَسْم الرجل للماشية التي يملكها بإحداث علامة فيها عن طريق كيِّها بالنار إذا دعت الحاجةُ وتعيَّن لتمييزها أن تختلط بغيرها إن هي رعت معها في الصحراء ومواطن الخُضرة، وبشرط أن يكون هذا الوسم على قدر ما يتحقق به التمييز دون تجاوز ولا مبالغة، وألَّا يكون في الوجه، وإنما يكون في موضِعٍ صلبٍ، ظاهرٍ، غير حساسٍ، لا يَكثرُ فيه الشَّعر من جسد البهيمة، كالفخذ من البقر، والأذن من الغنم، وأن يكون ذلك بالرجوع إلى الأطباء البيطريين المختصين، مع مراعاة الرفق بالحيوان، والحرص على تقليل الأذى عنه في ذلك ما أمكن.
عناية الشريعة واهتمامها بالمخلوقات
وتابعت دار الإفتاء أن من أعظم ما امتاز به الشرع الحنيف العناية الشاملة بجميع المخلوقات والكائنات، واهتمامه البالغ بذلك، حتى شملت رحمته الإنسان والحيوان والجماد، فقرر مبدأ الإحسان في كل شيء، وأوصى بالرفق في جميع الأحوال، وجعل من الرحمة مقياسًا للتقوى، ومعيارًا للفضل، فقال تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: 56]، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ» أخرجه الإمام مسلم.
ومن هنا جاءت أحكام الشريعة متزنة، تراعي مصلحة الإنسان، مع صيانة كرامة الحيوان، وتُوازن بين الضرورة والحاجة، والرحمة والرفق، فتُجيز من التصرفات ما تدعو إليه الحاجة، وتنهى عن كل ما فيه تعذيب أو ظلم أو اعتداء.
المراد بـ"الوسم"
وأوضحت أن الوَسْمُ هو: أثر الكي بالنار، وهو العلامة التي توضع على الشيء للتمييز بأي ضرب من الضروب، تَقول العرب: بعيرٌ مَوْسوم: أَي قد وُسِم بِسمَةٍ يُعرَف بهَا، إِمَّا كيَّةٌ أَو قَطْعٌ فِي أذُنه، أَو قَرْمَةٌ تكونُ عَلامَة لَهُ، كما في "تهذيب اللغة"
حكم وسْم الماشية
وأوضحت أنه من المقرر في الشرع الشريف جوازُ وسم البهائم عند الحاجة، من نحو تمييزها عن غيرها، أو لمعرفة أصحابها، وتيسير الاستدلال عليها واستردادها إذا هي ضاعت أو شردت أو اختلطت بغيرها.
والأصل في ذلك: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «وَهُوَ يَسِمُ الظَّهْرَ الَّذِي قَدِمَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْحِ» متفق عليه. فأفاد الحديثُ جواز الوسم عند الحاجة إليه، من نحو تمييز الحيوان بعضه من بعض، كما في "شرح صحيح الإمام مسلم" للإمام النَّوَوِي.
وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.
إلا أن ذلك مقيد بضوابط وشروط يجب مراعاتها:
1- أن يكون الوسم لغرض صحيح وحاجة معتبرة شرعًا، كالتمييز والعلامة خشية اختلاط الماشية بغيرها، وليس على سبيل العبث والتعذيب، حتى لا يكون مُثلة وتشويهًا للحيوان، وكلاهما منهي عنه شرعًا؛ لما فيه من الإيذاء والإيلام من غير حاجة، وقد صح عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه «كَانَ يَحُثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُثْلَةِ» أخرجه الإمام البخاري.
2- أن يكون الوسم على قدر الحاجة دون تجاوز ولا مبالغة، بأن يقتصر على العلامة الكافية للتمييز، فإن تجاوز ذلك إلى ما لا تدعو إليه الحاجة فإنه يدخل في دائرة العبث والتعذيب المنهي عنهما شرعًا، وقد تقرر في قواعد الشرع الشريف أن "ما جاز للضرورة يُقدَّر بقدرها".
3- أن يتعين الوسمُ طريقةً لتمييز الحيوان عن غيره إذا اختلطت الماشية، بحيث لا توجد طريقة أخرى لتمييزه لا يتعرض فيها للإيلام، كما في "الفروع" للعلامة ابن مُفلِحٍ (9/ 331، ط. مؤسسة الرسالة).
4- أن يكون الوسم بعيدًا عن الوجه؛ لما ورد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الضَّرْبِ فِي الْوَجْهِ، وَعَنِ الْوَسْمِ فِي الْوَجْهِ» أخرجه الإمام مسلم، وفي رواية أخرى عنه رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَيْهِ حِمَارٌ قَدْ وُسِمَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ: «لَعَنَ اللهُ الَّذِي وَسَمَهُ» أخرجها الإمام مسلم.
5- أن يكون الوسم في موضِعٍ صلبٍ من جسد البهيمة، غير حساسٍ، لا يَكثرُ فيه الشَّعر، بحيث يكون ظاهرًا ويُحقق غرض التمييز والعلامة المطلوبة دون إلحاق ضرر بالغٍ بالحيوان، كنحو الأذن للأغنام، والأفخاذ للبقر ونحوها، وذلك تقليلًا للألم، ورفعًا للضرر قدر الإمكان.
6- أن يكون ذلك بالرجوع إلى الأطباء البيطريين المختصين، باعتبارهم أهل الذكر في هذا الأمر، وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بسؤال أهل الذكر كل في تخصصه، فقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].








